كنت أعتقد أنني الشُجاعة الوحيدة في عائلتي الكبيرة المكونة من ست شقيقات وثلاثة أشقاء، والشجاعة هنا بمعنى المواجهة والجرأة الاستثنائية في وجه الظلم، وكنت دائما حين يُوجه إلي سؤال: “من أين تستمدين قوتك؟”، أرد: ” من ايماني ومن عجزي”، لكني اكتشفت اليوم أن شقيقي مصطفى عنده هذه الجرأة الفادحة في شدتها، لكنها ناعسة تحت أردية الهدوء، والتسامح والطيبة، وكره التحزب، وبغض الادعاءات البطولية، ما جعلني أجزم بأن السبب الحقيقي لهذا التقليد العائلي “الشجاعة”: التربية التي جاهد والدي كي يظفر بها في بيئة تقليدية جدا وتكاد تكون لاعنة لأسلوبه إلى حد المشاكل مع أطراف بعيدة من العائلة.
إن ايمان والدي بعدم ملكية ابنائه وبناته، وتربيتنا على قوة العقل والكتب التي نشأنا نحن التسعة ووجدناها حولنا بكثرة هي التي ساهمت في قوة الحجة التي لدينا والايمان العميق بقناعاتنا، وأن ما يسِمنا من حسم وثبوت لا يعود ابداً الى فترة طارئة وتأثر عابر، بل ثقافة راسخة مثل رسوخ أسمائنا في الذاكرة.
ومن هنا ومن خلال هذه التجربة التي أمر بها اليوم، عرفت قيمة فترة نضجنا رغم صعوباتها، والتي تنقلنا خلالها بين رفح والامارات وغزة على مستوى المكان، وبين الدين والليبرالية والتجريب على مستوى الفكر، وعرفت قيمة شقيقي، ومدى غروري إذ اعتقدت اني الوحيدة التي أتمتع بشجاعة استثنائية وقوة نفسية وعقلية عاليتين، وهنا إليكم حكاية الاكتشاف:
شقيقي مصطفى الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين وضعيف البنية والذي درس البصريات، وعلّم نفسه بنفسه العزف على العود أثناء جلوسه ساعات إلى آلته الشرقية معتمداً على برامج انترنتية، وكذلك يحب قراءة كتب العقل والنقد من مصادرها الأجنبية مباشرة، ويداوم على رياضة اليوغا يومياً لساعات، إنه الآن وفي هذه اللحظات التي أكتب لكم فيها عن مفاخِره مسجون في أحد المعتقلات كسجين حرية رأي وتعبير، بعد مشاركته معنا في اعتصام سلمي امام منتدى شارك يوم الأحد 5-12-2010، اعتراضا على اغلاقه.
وقد اعتقلوه بعد فض الاعتصام إضافة إلى اعتقال حوالي عشرين شابا وضربوا احدى المشاركات وأهانونا وصورونا في حين لم يسمحوا لطاقم الجزيرة انترناشونال بالتصوير، وصادروا كاميراته واحتجزوه، فعلى ما يبدو ان اعتصام من ثلاثين شابا وشابة هز الأجهزة الامنية التي تجمعت حولنا بالدراجات والسيارات يومها في مشهد لن يتكرر في تاريخ غزة القادم كثيرا.
وبعد اتصالات مكثفة تدخل فيها صحافيون وسياسيون وحقوقيون، أخرجوا الشباب في نفس مساء يوم الأحد، وبقي اسعد الصفطاوي ومحمد الشيخ يوسف وشقيقي مصطفى الغول، رغم كل الوعود بإخراجهم في الليلة ذاتها، لكنهم قضوها هناك، ليخرج بعد عصر يوم الاثنين 6-12- 2010 كل من الصفطاوي والشيخ يوسف.
وحدثاني بعد خروجهما مباشرة عن عناد شقيقي، الذي لم يتكلم امام المحققين، ولم يرد على استفزازاتهم حين وصفوه بالديوث لأنه تارك اخته التي هي أنا “على حل شعرها”، ومتبرجة وتشارك في اعتصام به شباب ناهيك عن تحررها المتعارف عليه، وقلمها العلماني وعدم ارتدائها الحجاب، ولم يقبل الشابان أن يكملان بقية ما قيل عني اثناء التحقيق مع مصطفى خجلاً، وأوضحا أن كل ذلك كان في محاولة لتدمير نفسية شقيقي….لحظتها سكتنا كأننا أيقنا للحظة حجم مصيبة وطن نصبوه على أوتاد من التخوين والتكفير وتلفيق التهم.
وابتسمت داخلي ساخرة من نهج التحقيق الذي يستخدمون فيه الشرف والابتزاز والتهديد، متذكرة ما فعلته سجون السلطة من قبلهم وسجون الاحتلال من قبل كل منهما، لكن ما يختلف هنا قناعة مطلقة لدى المحققين انهم لا ينطقون عن الهوى..، رغم أنه ليس الدين من جلبهم إلى الحكومة بل قوانين واتفاقيات وضعية وأوسلوية.
وتحمس كل من عقلي وقلبي ليردان على المحققين في سيناريو أبدعاه ليخففا ألمي: كيف ستجربون الرسوخ والايمان؟ وأنتم لم تجربوا الشك واليقين بقناعاتكم لمرة واحدة؟ بل حفظتموها من كثرة التلقين دون أن تفهموها وتناقشوها، وهذا عكس ما نتبادله انا وشقيقي وعائلتي منذ صغرنا..كيف ستؤمنون بأن رابط الذكرى والسعادة والثقة والحب الكبير أعظم من أي دين وحزب وجامعة.
السادة الجلادون: إن لعائلتي قصة عادية بدأت بالضبط منذ أن وثق والدي أني أستطيع الذهاب إلى الروضة في مخيم رفح وحدي وانا لا أتجاوز الثالثة من عمري، وكنت أول فرحته، وبالفعل مشيت من دار سيدي في بلوك “ان” عند سوق الشعرة، وحين وصلت مدرسة فاطمة الخطيب بدأت أتلفت حولي خائفة، وانا ارتدي مريول مطبوع بمربعات حمراء وزهرية، ولكني تابعت حتى وصلت روضة المسجد في البلد، ودخلتها بأمان… بعد سنين طويلة عرفت أن والدي كان يراقبني من بعيد عبر أزقة المخيم، وبعد تلك المرة كف عن ذلك لانه عرف أنني عرفت الطريق جيدا
وكنت احتاج فقط أنا ومصطفى وبقية ابنائه وبناته ان نعرف الطريق جيدا لننطلق بقوتنا العقلية وايماننا بذواتنا وثقافتنا مهما كانت فرادتها، وجوهرها بان ما تفعله خطأ هو ما تخفيه وما هو صح تفعله أمام الناس، وأن سلامك الداخلي لا يتناقض وسلامك الخارجي، وإلا سيكون هناك خلل في الرضا عن الذات..هذا ما نتسلح به بعد أن افترقنا نحن الابناء والبنات بين تونس ومصر وأوروبا بعضنا للدراسة والبعض الآخر للعمل والارتباط.
فكيف سيفهم هؤلاء يا مصطفى يا نزيل العتمة والزنزانة توازنك الروحي والعقلي من غير ان يمد أحدهم يده عليك طوال سنين عمرك بالضرب ليجبرك على الصلاة، أو يخدعك في طفولتك بالحلوى ورفع العلامات كي تداوم عليها؟.
في هذا البرد أتلحف ببطانية وأشرب الزنجيبل الساخن الذي يهدئ الأعصاب بعد عشرات من فناجين القهوة وانا أفكر بك يا ترى يا شقيقي الصغير -في نظري ستبقى دائما هذا الصغير رغم انك أكبر الذكور سنا في عائلتنا ولكني أكبر الاناث والذكور معاً-بماذا تتلحف بعد أن عرفت انك استعرت سترة أحدهم؟ وماذا تشرب بعدما علمت من صديقيّك انك لم تضع لقمة في حلقك، وأضربت عن أكلهم وشربهم؟.
أفرجوا عن زملائك بعد الضرب والاهانة وتسليم أجهزتهم الهاتفية، والحواسيب الشخصية، ولكنك انت لم تسلم عقلك وقلبك الطيب أو أي شيء آخر، بل أعلنت علينا الكرامة، ورفضت ان تكون المستسلم للسجان، ولم توقع تعهدا ظالما وغير قانوني، وكان هذا شرطهم الوحيد كي تخرج، وقلت بالحرف أيها الهمام، كما أخبرني المحامي:” اقطعوا يدي ووقعوا بها ولكني لن أوقع”..
انه أمر بسيط يا شقيقي المصاب بالصداع النصفي -واتساءل اليوم كيف ينزاح عنك اذا كانت موسيقاك بعيدة عنك؟-، أمر هين جدا أن توقع تعهدهم وتخرج إلى حريتك الموهومة مثل ثلاثة أرباع نزلاء هذا الوطن الذين وقعوا تعهدات غريبة الطعم والشكل والرائحة، ولكنك قلت :” كيف أوقع؟ انه يعني الرضى والقبول بذل من أهانني وضربني ورفسني، وقذف أفراد عائلتي بالسوء”
عرفت أنك في الليلة التي بت فيها مع رفقاء الاعتصام في الزنزانة قد أمطرت لأول مرة في شتاء تأخر حد الفراق، فسمعت زخاته لكنك لم تشعر بها على جسدك، وسلا قلبك المطر بغناء “يُما مو ويل الهوى..يمى مويليه.. ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيه”، ويا تُرى الليلة وانت وحيد، دون رفقيّك أسعد بحماسته، ومحمد بجلادته، ماذا تغني في سرك؟، عرفت انكم بكيتم معا على اغنية “أحن إلى خبز أمي”، حتى إن مسجوناً في الزنزانة ذاتها على قضية جنائية بكى معكم حتى الثمالة….
والله يا مصطفى لو جاء سلفادور دالي لينظّر علينا حول سورياليته في غزة لما احتاج إلى الرسم ولا هدم الكلاسيكي منه، يكفيه فقط أن يعيش يومياتها… غزة جغرافيا الحلم السوريالي بكل حدته من ظلم وبسطار وبحر وحب، وطلقات.
كان بامكانك ان تغادر ولكنك لم تفعل واصريت على العشق الممنوع وهذه المرة بينك وبين غزة، بينك وبين الحرية بطريقتك وليس بطريقة مهند وسمر، وليس بطريقتهم كي تكون رجلا، فرجولتهم ليست هي رجولتنا…
مصطفى الغول شقيقي الرجل الشجاع، أنتظرك لنتبادل الكتب والعبارات الفيسبوكية ودَور القهوة، وأنتظرك لأغار من جديد وانت تقرأ بالإنجليزية وانا لا أزال اتلعثم في الصفحة الأولى، فأفرغ هذه الغيرة بلومك على اعارتك كتبي لأحدهم أو إحداهن دون علمي، ويبدأ غضبي الصريح فتخرسني بصراحة أكثر غضباً، ونهدأ إما مفترقين أو متناقشين حول غزة..السفر..الحب..التصوير..خوف والدتنا الأبدي..وأصدقائنا المشتركين..الاعتصامات..والتغيير..
ومؤخرا سيكون ناقشنا المفضل عن الظلم رغم أننا كنا ” انت وانا” لا نزال نحمل براءة الأطفال حين لم نصدق سيوران بقوله: “يستطيع اي عابر سبيل أن ينافس الشيطان من الناحية التطبيقية اما من الناحية النظرية فالأمر مختلف تماما. ارتكاب الفظاعات وتصور الفظاعة فعلان لا يُختزل أحدهما في الآخر. ليس من نقطة مشتركة بين الكلبية المعيشة والكلبية التجريدية”..
عذابك أكد لي ولك أن شياطين الأرض أكثر ظلماً من شياطين السماء..
شقيقتك
أسماء الغول





