Archive for 10 ديسمبر, 2011

غزة…المدينة النبية

ديسمبر 10, 2011

لم أعرف مدينة تعاقب نفسها وتعذبها مثلما تفعل مدينة غزة، على الدوام تتمرد على ذاتها، وتثور وتلفظ قادتها وحكوماتها وليس الآن فقط بل منذ حكمتها الملكة هيلانا وغزة ارض المتمردين ولا توجد فيها حكومة استطاعت أن تغرس أوتاد خيمتها بأرضها أكثر من 15 عاما، فأهل غزة ليسوا بالعاديين بل إنهم قاطنو المدينة النبية، المتمردون، الثوار قبل أن يخترع التاريخ الثورات…فهي مدينة كلما “تألمت أكثر تعلمت أكثر”.

كنت في برنامج على النايل لايف الاسبوع الماضي، وقد سرحت معظم البرنامج لأن المذيعة مصرة على أسئلة خاصة بوطنية الانتخابات وأهميتها ما جعلني أقترب من الغضب وأنا أقول لها بأني لست مصرية- هامسة داخلي بسخرية حتى لو كان زوجي السابق مصري وزوجي الحالي مصري أيضا- أمر مضحك…

فضلت أن أسرح في البرنامج على أن أركز معها. وكنت أفكر كيف أن المصريين يستطيعون أن يعشقوا أنفسهم بل يثملون وهم يمدحونها، عكسنا نحن أهل فلسطين الذين لا ننجح سوى بهجاء أنفسنا أو البكاء عليها..كم مرة سمعتم في تاريخ التلفزيون المصري العبارات التالية: “الشعب المصري شعب ذكي- شعب عبقري- شعب ما بينضحكش عليه”، رغم أن كل الشواهد تشير -وأنا هنا أحاول ألا أكون عنصرية- أن الشعب المصري” انضحك عليه وكثير أوي كمان”، ولكن الشعب الحقيقي الذي لم يضحك عليه أو يخدعه أحد أبدا هم أهالي قطاع غزة، وأعرف أن حديث المطلقات والتعميمات يوقعني بالخطأ بسهولة ولكن سأقول لكم نظريتي:

كان صديق يجلس في جلسة فيها أحد وزراء حكومة غزة المقالة، وكان هذا الوزير يتغنى أن الحرب استمرت 22 يوما لأن كل يوم منها منح كرامة لـ22 دولة عربية، طبعا ليس هذا المهم في كلامه على الاطلاق، ولكن المهم هو قوله أن غزة نموذج سيحتذى به في الثورات العربية والحكم الاسلامي القادم والنضال والحريات والتنظيم والادارة وإلخ وإلخ…وبالطبع كلامه صحيح ليس أنها المثال أو النموذج، ولكن بأن الدول العربية تتبع غزة، فبرأيي أن هذه المدينة الصغيرة هي القدر المصغر لجميع الدول العربية فالذي تعانيه وستعانيه الدول العربية على مر التاريخ الحديث، غزة المدينة النبية تلخصه بعقود قليلة، وتتبعها بالمصير ذاته جميع دول العرب.

غزة حكمتها زمرة فاسدة بعد أوسلو لمدة حوالي 14 عاما، والزمرة التي تتدعي العلمانية والوطنية والقومية ذاتها حكمت الدول العربية لعقود استمر أكثرها في ليبيا لـ42 عاما، غزة نجحت بتنظيم انتخابات نزيهة شفافة عام 2006، مصر وتونس احتاجت ما يزيد عن الثلاثين عاما كي تفعلان ذلك، غزة حين اختارت الديمقراطية الشفافة انتخبت الاسلاميين بحثا عن الامل ولان النظرية الاسلاموية هي النظرية المثالية الوحيدة الباقية لم تسقط في نظر الشعوب وعليهم ان يجربوها، والآن حركة الاخوان المسلمين تكتسح العالم العربي..ناهيك عن تجربة غزة مع مؤسسات المجتمع المدني والاحزاب التي تتفوق فيها بالخبرة والشفافية والنزاهة على جميع الدول العربية، وانا هنا أتحدث نسبيا، لأن لبنان على سبيل المثال تنافسنا في الأمر فالتنوع الطائفي منحها انتفاخ التجربة قبل أن تقوم سوريا بتنفيسها..

ولكن في ماذا ستسبق غزة الدول العريبة الفترة القادمة وستلحقها به بعد سنوات طويلة؟

ستلفظ غزة الاسلاميين الذين حكموها بالحديد والنار واعتقلوا الصحافيين وانتهكوا حقوق النساء وأرهبوا معظم فئات المجتمع باستخدام أبشع أساليب الابتزاز والعنف، وقننوا الفن، وصادروا الروايات، ومنعوا عرض أفلام ومسرحيات وانتهكوا الحريات الشخصية عبر ما أسموها شرطة الفضيلة، وحتى الحريات السياسية التي حرمتهم منها حركة فتح سابقا، حرموا منها الاخرين، ولكنها على مستوى آخر نظمت عمل الوزارات، وقامت ببرمجته تكنولوجيا، وقللت من الفساد إلى حد بعيد، وجعلت لغزة طابع سياحي رغم الحصار، فقامت ببناء المولات، وسمحت بالمقاهي الفخمة في أجواءالأزمات المالية الخانقة!!..
حكومة غزة ببساطة في الخمسة أعوام هذه قدمت نموذجا “متراجعاً” لما ستؤول إليه الدول العربية في الاعوام القادمة، لذلك أقول لكم أن غزة في الفترة القادمة ستسبق الوطن العربي بالتعلم من تجربتها مع الاسلاميين، وستكون ليبرالية أكثر من تونس نفسها التي احتل فيها السلفيون بكل عنف كلية الآداب والفنون والانسانيات، ووصفوا أساتذة الجامعة بالعهر وحاكموا الناس باسم الدين كأنهم صوته الوحيد المنزل من السماء، فهذه الثورات لم تفتح قفص الحرية للعصافير والغزلان فقط بل للأسود والنمور والضباع أيضاً..

غزة ستلفظ حكومتها الحالية في الفترة القادمة وستطرد تجربة الاسلام السياسي بقوة، وستنتظر الدول العربية كثيرا لتصل إلى نضج وحرية غزة النبية حينها..فالديالكتيك الذي تحمله غزة بين طياتها يحميها من أي بطش وظلم مقيمين، ويجعلها على الدوام حيوية في خياراتها وتتعلم منها، ولكن هذا لا يمنع من وجود خوف أن يعود أهالي القطاع وينتخبوا حركة فتح التي بدورها تبطش وتعتقل اليساريين والاسلاميين في رام الله حاليا، ناهيك عن الفساد، وعدم وجود كفاءات، فيخرج علينا وزير العمل أحمد المجدلاني على الهواء ويقول عن العمال والعاملات الذين يجب أن يكونوا أسياده : “أخوات هالمنــــ…”، ووزير الاقتصاد حسن أو لبدة يسرق وينهب ويحتال على أموال الشعب بدلا من أن يحميها….أليس هذا استقطاب شعبي أعمى لكل من فتح وحماس ونحتاج إلى تيار ثالث شاب ومستقل ليبدله..
ورغم تجربتنا مع الاسلاميين في غزة والتي شارفت على نهايتها-الاخوان ذاتهم لم يعودوا يريدون غزة لأنها كانت بمثابة طفل التجربة الأولى المشوه ويتطلعون الآن لسلامة التجربة في وطن أوسع- إلا أنها لم تكن المدينة الكافية كي تسقط النظرية الاسلاموية الوضعية، فمن صاغها هم مجموعة من المستفيدين رجال الدين الثيوقراطين الذين يريدون أن يحكموا البلاد، رغم أنهم يعتمدون في حكمهم على نظرية الحاكمية لله التي أزاح فيها سيد قطب عنهم الصفة البشرية ألا وهي الذنوب والخطايا، فهذه الأحزاب تعتقد نفسها أنها منزهة عن الذنب والخطأ والنار..

انه زمن الاسلاميين لذلك تحتاج الشعوب العربية دول كبيرة مثل مصر وتونس والمغرب كي يثبت الاسلاميون أن نظريتهم الاقتصادية هي بالأساس رأسمالية، والاجتماعية قمعية، والسياسية انعزالية، إلا في حال نجحت أمريكا بتدجينهم وهو ما يبدو واضحا من رضا أمريكا عن قدوم الاخوان ليكون الشرق الأوسط الجديد الذي حلمت به كوندليزا رايس.

تقول صحافية تونسية قابلتها في بروكسل مؤخرا: “قبل الثورات كان كل شيء ممنوع وبعدها كل شيء حرام”، كلامها صحيح فالممنوعات ذاتها ولكن هذه المرة مصبوغة بالصبغة الدينية، ويضاف إليها الحريات الشخصية والفن، ولكن هذا ليس معناه أن الحكومات السابقة لم تستخدم الصبغة الدينية كي تنافس الاحزاب الاسلامية التي كانت معارضة حينذاك، على نيل رضا الضمير الشعبي العربي المتدين، كذلك ليس معنى تحليلي السابق أني ضد حكم الاسلاميين، بل على العكس انه اختيار الشعوب ونزاهة الديمقراطية، والحل الوحيد لاثبات قصور نظرتهم حين ترتطم بصخور الواقع وثقل المهمة..كما حدث مع الجميع حتى مع الأحزاب الشيوعية وهم أكثر من ادعى المثالية في التاريخ….

وأخشى اليوم من القول أن الثورات العربية كانت ثورات تريد تحرير لقمة العيش وليس تحرير العقول، وأنا التي كنت أدافع دوما عن أن الثورات ليس وراءها مكبوت اقتصادي فقط بل مكبوتات دينية وعاطفية وعقلية واجتماعية أجد اليوم نفسي بعد أن اختارت الشعوب العربية الاسلاميين، أقول أنها لم تكن ثورة أحرار بل ثورة جوعى يريدون تغيير الواقع بأي طريقة لانصاف ظروفهم، ومن كان يتحضر لهذا الدور ومنظما له أكثر من غيره على الاطلاق هم أصحاب الاسلام السياسي.

وكما قلت للمذيعة في النايل لايف والتي بدت غاضبة من فوز الاسلاميين في مصر أنك لا تستطيعين لوم الرابح على ربحه لأنه يستحقه، بل يجب أن ننتقد ذواتنا خاصة أننا كلنا كنا ضد الدكتاتوريات العربية وأردنا هذا التغيير حتى لو اختلفنا على نتائجه، واذا كان يجب أن نلوم أحد على نجاح الاسلاميين يجب أن نلوم العلمانيين والليبرالين وتقوقعهم على أنفسهم ومصالحهم والهوة التي أصبحت بينهم وبين العامة فقد أصبح اليمين الاسلامي يمثلها، بينما التيارات الليبرالية والعلمانية وحتى اليسارية تقضي وقتها في نشر دعاية مضادة عن الاسلاميين ساهمت في نجاحهم بدلا من فشلهم، وأضاع أصحاب هذه التيارات وقتهم يصفون رعب الاسلاميين ونسوا تنظيم صفهم الداخلي وأن يتحضروا لقيادة الشعوب.

العلمانيون والفنانون واليساريون والكتاب والمفكرون وحتى بعض التيارات الاسلاميةالتي ليست ذات شعبية سيواجهون جميعا في الوطن العربي أبشع أنواع القمع والمزايدات الدينية والأخلاقية ولحظتها لا يوجد حل سوى تشكيل مجموعة من اللوبيات الضاغطة للحفاظ على مكتسبات المجتمع الديمقراطي وتنوعه واستقلالية الفرد فيه..إلى أن يتعلم الوطن العربي من تحربة مدينة نبية كغزة…ولكن من سيتعلم من مدينة هي مجرد نبية فقط، وليست حتى دولة، فيها الحزب أقوى من النظام السياسي لذلك يستطيع هذاالحزب أن يلغي الانتخابات فيها لأعمار مديدة..إلى أن يثور شعب الديالكتيك على الحزب فهو الوحيد الأقوى منه..

أنتظركم وأنتظركن كالعادة
أسماء الغول-القاهرة
10-12-2011


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 257 other followers