…مائة يوم على مطاردة الأمن الداخلي لجمال عبيد وماهر أبو هربيد…عائلتاهما: سرقوا الأمان والفرحة

كتبت أسماء الغول

اليوم يكتمل مائة يوم على مطاردة أشهر قائدين في حركة فتح بإقليم الشمال جمال عبيد “أبو السعيد” وماهر أبو هربيد “أبو سائد” من قبل عناصر الأمن الداخلي في حكومة غزة المقالة، واليوم أيضاً تكلم أفراد عائلتي عبيد وأبو هربيد لأول مرة للإعلام بعد أشهر طويلة قضوها في صمت وخوف من القوات التي لا تنقطع عن مراقبة منازلهم، وتتربص بهم باحثة عن المطاردين بتهمة أنهما من فتح.

“شبكة أمين” التقت بعائلة أبو السعيد (37 عاماً) في أجواء كآبة وحزن أسدلت ظلالها على الأبناء والزوجة ميرفت الحامل في شهرها الخامس.

تقول ميرفت “الحياة صعبة جداً دون زوجي.. في كل لحظة نتذكره ونتخيله معنا، خاصة حين يأتي الأبناء حاملين شهاداتهم أو نطبخ الكبسة بالدجاج التي يحبها”.

وتضيف “غيابه انعكس على الحالة النفسية للأبناء، فقد تراجع مستواهم الدراسي، عدا عن ذلك من الصعب أن أدير كل الشؤون وحدي، في ظل أننا نعيش قلقا مستمرا على حياته”.

البيت عتمة من غيرك

وتستطرد أن زوجها خرج من البيت منذ شهر نوفمبر الماضي بعد قدوم الدوريات المسلحة التابعة للأمن الداخلي أكثر من مرة للسؤال عنه في منزله ومنزل والديه، وفي كل مرة يتركون ورقة عليها ختم وزارة الداخلية تحوي عبارة “هناك أمر يهمك”، أو يبعثون له عبر أخوانه أنه من الأفضل له أن يسلم نفسه.

ولم تتوقع عائلة أبو السعيد أن ابنهم أمين سر حركة فتح في إقليم شمال قطاع غزة والمشهود له بعمله الجماهيري والشعبي أن يلاحقه الأمن الداخلي بشكل ملح ومخيف دون إبداء أي أسباب أو توجيه تهم واضحة لاستدعائه.

وتفصل الزوجة حكاية عائلتها مع الخوف في أحد أيام شهر ديسمبر حين أطلق مسلحون من الأمن الداخلي النار تحت نافذة البيت كرسالة تهديد لها ولأبنائها الذين لم يلتقوا بوالدهم لمدة تزيد عن الثلاثة أشهر.

الشوق والحنين يعيشه أبناء وبنات جمال الخمسة الذين تحدثوا مع والدهم بلهفة تخالطها الدموع على الهاتف، إذ قالت جنين التي لم تتجاوز الخمسة أعوام “وينك يا بابا وينك يا حبيبي اشتقتلك.. البيت عتمة من غيرك”، فسألها والدها “ليش صوتك متغير.. مفلوزة يا بابا.. سلامتك حبيبتي”.

ماما توقع أوراقنا الآن

هكذا تحلق الأطفال على الهاتف يحدثون والدهم: عبد الله (8 أعوام) يخبره عن درجاته، وسعيد (11 عاماً) يؤكد لوالده أنه لم يستلم شهادته بعد، ونعمة (14 عاماً) تسأله إذا كان يوجد عنده المطر الكثيف كما في مخيم جباليا، أما محمد (5 أعوام) فيشعر بالنعاس وتكاسل عن التحدث مع والده.

عائلة عادية جداً تتلهف على والدها الذي يطارده الموت منذ مائة يوم كي يشاركها أبسط العادات اليومية، يسهر معهم بعد أن يشتري لهم المسكرات، أو يشاهدون المباريات ويوقع أوراق امتحاناتهم التي توقعها الآن والدتهم.

تقول ابنته نعمة “خايفة عليه من مسلحين حماس.. أكره حماس، كثير بحلم إنه بابا رجع وحين أصحو من النوم أعرف أنها ليست حقيقة”.

سعيد يقول بخجل “اشتقت لصوته حين يدخل البيت يمازحنا ونجلس معه ويحل مشاكلنا”، موضحاً أن كثيرا من الغرباء يسألونه عن والده أثناء ذهابه وإيابه من المدرسة لكنه يجيبهم بأنه لا يعرف شيئاً.

وتختم زوجته ميرفت حديثها بتمنيها رجوع زوجها كي ترجع الضحكة والفرحة إلى المنزل، ويساعدها في حمل بعض الأعباء الكثيرة والتي تراكمت فوق رأسها، من رعاية الأبناء والذهاب للتسوق وتعويضهم الحنان خاصة وأنها حامل وتشعر بالتعب الشديد، مشيرة إلى أن أعمام أبنائها يساعدونها مادياً على قدر استطاعتهم.

تعذيب شديد

في مدينة بيت حانون التقينا بعائلة ماهر أبو هربيد (45 عاماً) عضو قيادة فتح في إقليم الشمال، والتي يبدو جلياً أثر غياب الأب على أفرادها الذين يرغبون جميعهم في التحدث حول معاناة والدهم.

تقول زوجته كفاية (44 عاماً) “أذكر أنهم استدعوه في المرة الأولى، وقد قال لنا بعد رجوعه إنه دون أن يبدأ الكلام ألبسوه كيساً أسود على وجهه وبدؤوا تعذيبه إلى درجة أن كل نقطة في جسده كانت زرقاء”.

وأوضحت زوجته أنه بعد أربعة أيام من التعذيب أخرجوه نتيجة ضغوط بعض الوجهاء، وبعد ذلك بأسبوع طلبوه مرة ثانية وسلموه ورقة بضرورة حضوره لأمر يهمه إلا أنه لم يحتمل فكرة تعذيبه وظلمه مرة أخرى فخرج من البيت منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

يقول شقيقه ماجد أبو هربيد (40 عاماً) إن قوات الأمن الداخلي جاءت إلى المنزل حوالي خمس مرات تبحث عنه، مشيراً إلى أنهم يأتون بالعشرات وبالأسلحة ويحيطون بسياراتهم العسكرية المنزل الأمر الذي يرعب الأطفال.

وتشرح زوجته أن زوجها المشهود له بالنضال تم اعتقاله مرتين على يد قوات الاحتلال وفقد النظر في إحدى عينيه نتيجة ظروف اعتقاله في أوائل التسعينيات، متأسفة وغير مصدقة للأحوال التي انقلبت رأساً على عقب وأصبح من يرغب بقتل المناضلين والشرفاء هم أبناء الوطن الواحد.

ويتذكر شقيقه ماجد كيف وقف شقيقه ماهر سداً قوياً أمام مسؤولين في السلطة الوطنية حين اعتقلت عدداً من أبناء حماس في منتصف التسعينيات ورفض سجنهم وتعذيبهم، معتبراً إياهم من الشرفاء الواجب حمايتهم.

الإساءة بالإحسان

وتذكر كل من كفاية وزوجة ماجد عواطف أبو هربيد (37 عاماً) المسيرة التي خرجن فيها وكانت تضم حوالي عشرين امرأة ليطالبن الأمن الداخلي بإخراج أبو سائد ومن معه من أبناء فتح من السجن، موضحتين تفاصيل ملاحقة أفراد الأمن الداخلي لهن بالهراوات وضربهن بقسوة، ناهيك عن إطلاق النار العشوائي.

المثير للسخرية حسب كفاية وعواطف أن بعض أفراد الأمن الداخلي الذين ضربوهن هم أنفسهم شباب كتائب القسام التابعة لحماس الذين أرادت الطائرات الحربية قصفهم في مسجد النصر في بيت حانون قبل عام فقامت النسوة بحمايتهم ما أدى إلى إصابة واستشهاد عدد منهن.

وتصف عواطف كيف أخذت النساء أثناء ضربهن يصرخن “يا خسارة، حميناكم ولبسناكم جلبياتنا علشان نخفيكم عن رصاصات العدو”.

وأوضح ماجد أن كل ما جاء على لسان الأمن الداخلي من تهم مفادها أن أخيه يحرض على شرعية حكومة حماس باطلة جملة وتفصيلاً، مستطرداً “الكل يشهد أن شقيقي يركز على العمل الجماهيري والشعبي والتنظيمي الهادف ولم يحرض أو يمسك السلاح ضد شقيقه الفلسطيني يوماً”.

مشقة الغياب

يقول سائد (23 عاماً) ابن ماهر الكبير إنه في كل لحظة يشعر بالقلق على والده الذي لا يعرف أحد أين اختفى، ويكتفي بالاتصال بهم بين الحين والآخر، ذاكراً أن هناك الكثير من الأمور التي تأجلت بسبب غياب والده كزواج شقيقته زينب، مشيراً إلى صعوبة أن يحل محل والده في الكثير من الأمور العائلية.

أما باقي أبنائه الذين يبلغ عددهم 11 ابنة وابن فتحدث بعضهم وهناك من غرق في دموعه كرجا (12 عاماً) التي ما أن تلفظ كلمة حتى ينتابها البكاء، ذاكرة من بين دموعها “اشتقت له.. اشتقت أن أدخل المنزل قادمة من المدرسة لأراه أمامي يبتسم ويسألني عن دروسي”، موضحة كآبة العيد الأخير دون تواجده بينهم.

بكت رجا من جديد وأبكت كل الحاضرين الذين غدت كلماتهم تخرج على شكل شهقات، يقول عبد الله (18 عاماً) “ناقصني أبوي.. خايف عليه يموت قبل ما أسمع صوته وأبوسه”.

الوطن ليس هو ذات الوطن

تحدثت “شبكة أمين” مع أبو سائد وأبو سعيد اللذين تواجدا معا، موضحين أنهما لم يتخيلا للحظة أن هذا جزاء التضحية والنضال لسنين طويلة من أجل الوطن، أن يقوم بعض الشباب صغير السن بمحاكمتهما وتعذيبهما باسم وزارة الداخلية والشرعية الوحيدة، دون توجيه تهم واضحة أو إعطائهما فرصة للدفاع أو تعيين محام.

وأضافا أنهما يشعران بالغربة في غزة التي ولدا وتربيا فيها، ولأول مرة يكون فيها كل هذا الحقد والكراهية بين أبناء الوطن الواحد، وتتغير مفاهيم الوطن وحتى العدو لا يصبح إسرائيل بل هو الفلسطيني ذاته.

وعبرا عن قلقهما على أحوال أسرتيهما في ظل مرور 100 يوم على غيابهما، ومن المحتمل أن تمتد مئة يوم أخرى رغم أن العديد يقومون بوساطات.

Advertisements

3 تعليقات to “…مائة يوم على مطاردة الأمن الداخلي لجمال عبيد وماهر أبو هربيد…عائلتاهما: سرقوا الأمان والفرحة”

  1. جميل الجمال Says:

    جيد أنك كتبت في هذا الموضوع لان موضوعك الآخر أعطى انطباع بانك متحاملة على سلطة رام الله.

    • asma Says:

      أنا فقط متحاملة على الظلم..سواء كان متمثل في سلطة رام الله أو سلطة غزة..مدونتي صوت الضحايا أينما وجدوا

  2. شادي العمري Says:

    بس على ما اظن انو في الي تعليق هون … معقو انحذف خوف من ما يسما الامن الداخلي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: