Archive for 26 أكتوبر, 2010

حين يكون الطقس شديد البرودة والنقاش شديد الحرارة..إذن انت في الدنمارك!!

أكتوبر 26, 2010

لم أعتد أن اكتب تدوينة بهذه السرعة حين أصل إلى بلد ما، وقد وصلت قبل يومين ولكن خواء المدينة في كوبنهاجن بالدنمارك دفعني إلى ذلك:  الضباب يحجب السماء، والبرد يلسع كل جزء مكشوف من وجهك ويديك، فتشعر فيه بالخدل كأنه لم يعد ينتمي إلى جسدك…الشوارع خالية، المدينة بالفعل ينقصها بشر، وأنا التي اعتدت على ازدحام اللحم البشري في كل متر من قطاع غزة

الليلة ..يملأني هذا الخواء، ومعدتي متلبكة بسبب الطقس البارد، وأشعر فيها بتقلصات مؤلمة لم تنفع معها كل انواع الشاي الغريبة هنا، ناهيك عن الوحدة والاحباط لأسباب عديدة، افتقد أصدقائي المدونين في المؤتمر الأخير الذي شاركت به في القاهرة، افتقد تلك الهارموني التي ولدت بيني وبينهم: السوري ياسين سويحة والأردني اسامة الرمح والبحرينية سعاد الخواجة، والمدون الألماني هاردلي.

وهذا الاغتراب الذي أشعر به في منتدى “حرية التعبير في خطر” الذي تنظمه المؤسسة الامريكية فريدوم هاوس، إضافة إلى مؤسسات دنماركية أخرى، ليس بسبب أنني أصغر المشاركين عمراً، أو لأننا نختلف طوال الوقت،- ففي نظر المحامي المصري جمال عيد أنا علمانية متطرفة-، بل لان الروح فرغت من انتظارها للسعادة والتفاؤل، كأن عمرها ستين عاما..

فتحت أغنية وعود العاصفة لمرسيل خليفة علّني ألتمس بعض ونس، ولكنها زادت حزني انهداراً، لا أدري..هل كل الأمر أني اشتقت لابني ناصر الذي حدثته ورأيته على سكايب أمس، والذي يسكن مع عائلتي في قطاع غزة، هل شوقه الذي يبثه لي دائما دق عندي ساعة الامومة والارتحال إليه، كي أضع حدا لرحلة بنت بطوطة هذه كما يسميها الصديق العزيز ياسين.

وكي لا أنكب على ذاتي وتفاصيل حزنها، سأهرب لأحدثكم عن المنتدى الذي أشارك به حاليا، ويتحدث عن حرية الرأي والتعبير واليوم قدمت فيه مداخلة حول الرقابة على الانترنت بين البدائية والتطور، وتحدثت عن حالة التدوين في غزة والضفة كنموذج، موضحة أنها تجربة لا تزال غضة وغير ناضجة، ومعظم الجيل الشاب  يستخدم الشبكات الاجتماعية للتدوين المبسط كالفيسبوك، وحين قلت الرقابة المتطورة قصدت  أن تقوم الحكومة بوضع برامج تجسس متطورة في العالم الافتراضي كي تتصيد المعارضين من المدونين، أو تلاحق الآي بي الخاص بجهاز حاسوب المدون أو المدونة.

أما البدائية أقصد بها حين يقوم رجل الامن بمراقبتك داخل كوفي نت-احد العاملين في كوفي نت بغزة قال لي ان رجل الامن يجلس بجانبه كل عدة أيام  ويجعله يفتح على الجهاز الرئيسي للكوفي، شاشات بعض المستخدمين ليعرف ماذا يكتبون-، او يضع الأمن كاميرا كما يحدث في  الأردن التي تمنع 48 موقعا في الوزارات والمؤسسات الحكومية بحجة عدم اهدار الوقت رغم ان اغلبها مواقع اخبارية، او يكون الجالس على الحاسوب بجانبك هو رجل امن كما يحدث في تونس التي صنفتها منظمة مراسلون بلاحدود لهذا العام من  البلدان المعادية للانترنت، وهناك طرق تجسس أخرى كأن يكون من ضمن أصدقائك على الفيس بوك ثلاث أو اربع زنانات يقدمون صورك وتعليقاتك بشكل مجاني للأمن، وهناك في قطاع غزة معتقلين  فيسبوكيين بتهمة التعرض للذات الالهية والنقاش في الدين-غالبا ما يتم الافراج عنهم في اليوم ذاته-، كذلك في الضفة الغربية اعتقال لصحافي يعمل لدى تلفزيون القدس لانه وضع صورا ساخرة للرئيس محمود عباس على بروفايله في الفيس بوك.

وبالطبع أشرت أن الوضع بين الضفة الغربية وقطاع غزة كأنه مرآة، فبينما تقوم الحكومة في قطاع غزة باعتقال الليبراليين والتحقيق معهم، كذلك تفعل حكومة الضفة مع الاسلاميين.

وعرجت على الرقابة الذاتية(سببها الخوف) والرقابة الخارجية (الحكومة، والمجتمع والمؤسسة الدينية، والعائلة) والتي تضع التابوهات امام المدون، فلا يستطيع الخوض في كثير من المواضيع التي تعتبر محرمات، ورأيت أن فعل التدوين في الأصل هو فعل انعزالي فردي مجاني وكثيف، تصعب معه الرقابة التقليدية، الامر الذي حل هؤلاء المدونين والمدونات من سيف الرقيب خاصة اذا كانوا لا يستخدمون أسماءهم الحقيقية، وقدمت مدونة “مقلوبة” كنموذج وكذلك قدمتها في ندوة جامعة القاهرة قبل أسبوعين، وأرجو منك يا مقلوبة ان تعرف انه أنا سبب نصف القراء عندك هههههه

وطبعا النقاش كان طويل في العديد من الأمور التي تتعلق بكون التدوين هدف أم أداة؟، واذا ما كان الاعلام الجديد بقواعده مختلف عن الاعلام الكلاسيكي الذي يتميز باحترافية عالية؟، وهل يجب فرض المسؤولية الاجتماعية على ما يكتبه المدون؟، ورأيت ان معايير الفضيلة في العالم الافتراضي مختلفة جدا، فقد انتهى زمن الدعاة والوعاظ، ومن يريد الرجوع إليه يذهب إلى المكتوب الورقي المكبل بقانون المطبوعات ورئيس التحرير والمحرر وسياسية التحرير، بينما في عالم الانترنت تختار انت فضيلتك، وتقرأ ما يعجبك او لا تقرأه، فعلى رأي المحامي جمال عيد، التدوين كسر تابوهات السياسة والجنس والدين، وانا أختلف معه بالطبع، لأن من كسره المدون أو المدونة ممن يخفون هوياتهم الحقيقية.

وبما أننا في الدنمارك وبما أنني علمانية متطرفة كما يقول زميلي، فأعلن اختلافي مع بعض من المشاركين العرب الذين يطالبون بفصل حرية الرأي والتعبير عن الدين في هذا المنتدى، باعتبار الأديان مقدسة ولكن هل الأمر بهذه السهولة؟،و هل ما هو مقدس عندك مقدس عندي؟، وهل حين أقول وجهة نظري في دينك وأنت تتحدث عن وجهة نظرك في ديني نكون فتحنا نار الكراهية؟،أليس البعض منا  سواء كان مسيحي أو مسلم أو يهودي ذاق مرارة أن يأتي دينك قبل وطنك وقبل أسرتك وقبل انسانيتك، وما يسببه ذلك من طائفية، وسيطرة الحكومات والأحزاب على عقل الشعب عبر نظريات مثل الحاكمية لله، وحزب المسلمين، والحكومة الربانية، أليست حرية الرأي والتعبير التي يجب أن تاتي قبل الدين هي التي تحميك لتكون على دينك وتقول قناعاتك، بما ان الأصل في هذه الحرية التنوع وليس فرض وجهة نظر واحدة، في رأيي من يطالب بفصل الدين عن حرية الرأي والتعبير يضع الدين في برج بعيد عن الواقع، ويعتقد انه المنقذ وحامي حماه، ومن هنا يأتي التطرف الاعمى وتبعية الشعوب للأحزاب الدينية دون تفكير.

ولا غضاضة من القول انه من ضمن برنامج المنتدى مقابلة المحرر المسؤول عن نشر رسوم النبي، ولا تصدقون كم غيرت هذه القضية من وجه المدينة الثقافي، فتشعر أن معظم الدنماركين خاصة من المثقفين والنخبة متربصين بموضوع حرية الرأي والتعبير، فعلى الرغم من برودة طقس المدينة، إلا أنه يخفي على الدوام تحته حرارة الجدل والنقاش في معظم المنابر الاعلامية، كأن كوبنهاجن كانت قبل حادثة رسوم النبي مدينة مختلفة عما هي لآن.

مواضيع كثيرة طرحناها في جلسات المنتدى حينا وبين المشاركين طورا، ولا أنسى عبارة مهمة للمحامي الجزائري  المخضرم مصطفى بوشاشي المشارك معنا حين قال: “اذا منع الاسلاميون  الويسكي، فهذا لا يعني انهم يستحقون ان يتم نفيهم من العملية الديمقراطية، فالديمقراطية عملية طويلة الأمد، وليست مصالح ذاتية”.

وأريد ان أختم الاقتباسات بما قاله المحامي جمال عيد رغم اختلافي معه بشكل كبير لكني  أحاول أن أكون فولتيرية*  :”أنا علماني عربي ولكن يجب أن يعرف ناشر الرسوم الكرتونية أن هناك العديد من العلمانيين ضد أذية مشاعر الأغلبية”

ولا أنسى ذكر الزميل رسام الكاركاتير المصري عمرو عكاشة والذي يعمل لصحيفة الوفد ويتحفنا برسومه أثناء الجلسات ويمررها علينا أو يتم عرضها على شاشة الأل سي دي، وغالباً ما يكون مبتسما بخجل الواثق من ردة فعلنا.

وسأكتب المزيد عن الدنمارك في الأيام القادمة، خاصة بعد أن أزور مدينة كريستينا وهي المدينة الوحيدة في العالم التي يضع ساكنوها قوانينهم بأنفسهم، ويسمونها مدينة “الهيبز” أو مدينة ” اللاقانون”، وتبعد عن الفندق الذي أقيم به ربع ساعة مشيا على الأقدام، وكذلك ساكتب عن مقابلة المجموعة مع  المحرر المسؤول عن نشر رسوم النبي.

وأرجع الآن إلى وحدتي، وهذه المرة مع صوت سعاد ماسي في اغنية “غير انت” في محاولة لتغيير مزاجي مع بهجة صوتها، وأشرب هذه المرة  نوعا من الشاي الكريه، أشك أنه حناء مطحونة، فربما يخفف من هذه التقلصات المرعبة.

تصبحون على خير

أنتظركم كالعادة ..فأنتم ونسي

أسماء الغول-الدنمارك

* فولتير: إني استنكر ما تقوله ولكني أدافع حتى الموت عن حقك في قوله

Advertisements

تشكرات أفندم.. حياتي شوكزال

أكتوبر 14, 2010

تشكرات أفندم حياتي شوكزال

تشكرات تعني شكرا..أفندم تعني نعم، وحياة تعني حياة، وشوكزال تعني ممتازة، وكنت قد جمعتها بعد أن ترجمتها بمساعدة الأصدقاء، في محاولة كي تحمل معناً مفيدا، وهنا واصلت سؤال الأتراك من الأصدقاء وقالوا انها عبارة غير مفيدة، ولو انها قصدت حياتي لقالت بالتركي حياتم، وأفندم تقال للاحترام نعم، وليس معناها يا سيدي، لو كانت كذلك لحملت بالتأكيد معنى مفيدا وساخرا” شكرا يا سيدي حياتي ممتازة”.

إذن المغنية “فلة” ضحكت علينا، ولكن لا أعتقد ذلك حرفياً، فالحياة في تركيا بالضبط مثل تلك العبارة، فهي كلمات أصيلة تركية بمفرداتها ولكنها غير متجانسة وهذه الثقافة التركية التي رأيت، وكما قال لي تولغا اسمير منتج الفيلم التركي: “من 10 إلى 11” أن الأوروبين يأتون إلى تركيا ويقولون انها عربية زيادة عن الحد، وحين يأتي إليها العرب يقولون أنها أوروبية زيادة عن الحد.

وهنا أتذكر ما قاله أحد قرائي: “استوعبي الصدمة قبل أن تكرهي البلد”، ولنبدأ حكايتي مع الصدمة منذ المطار: الكل متنوع حد الغرابة، بشعر أشقر وعيون زرقاء وآخرين وأخريات بعيون سوداء وشعر أسود، ولكني لم أعرف من التركي ومن الاوروبي، اعتقدت ان سببب ذلك كوني في المطار، ولكني حين وصلت إلى المدينة الشيء ذاته مع فارق بضع محجبات هنا وهناك، يضعن الحجاب بالطريقة التركية، كما تضعه زوجة الطيب أردوغان.

وسرعان ما نسيت ارتباكي إزاء الهوية التركية حين أسكت عقلي على الفور جمال المدينة الخلاب، انها ابنة البحر الشرعية بحق، فلن أقول ان الجبل يحيط بها بل هي التي تخترق الجبل، فنجد المنازل متمسكة بأطرافه كأنها على وشك السقوط إلى البحر، هكذا تراها من بعيد تلك المنازل المسقوفة بالأحمر على حواف جبال توروس التي يغطي بعض قممها الثلج.

أزقة حجرية تفوح فيها ومنها رائحة الياسمين ستعيش في ذاكرتك للأبد، مع صوت بعيد لهدير البحر، كأنك تتجول في كتالوج لمدينة أحلامك، ومن حظي السعيد أني اكتشفتها وحدي، فالتزامي بالبرنامج في مهرجان أنطاليا للأفلام اختياري وليس الزامي، ما يعطيني الوقت الكافي كي أتوه في تلك الطبيعة، ولا انسى الجانب التاريخي والتركماني منها، والبلدة القديمة، أنا أعشق الأفلام بالطبع، كما اعشق الكتابة عنها، ولكني أنحاز للطبيعة حين يجب أن أختار بين الاثنين، ولن أنسى ما لاحظته في المدينة القديمة من شيء محزن أن الحياة السياحية تأكل تاريخها، فمحلات الموضة مثل كولوزن وغيرها تمتد إلى أن تغطي الاجزاء الأثرية منها، انه برود الاسمنت مقابل تلك الجدران القديمة التي مرت عليها آلاف الأرواح.

ربما لا استطيع الحكم جيدا الان على تركيا حتى أرى اسطنبول، إحدى العاملات في الفيلم التركي “ثلج أبيض” والذي هو عبارة عن لوحة فنية يستعرض فيها المخرج عضلاته في تصوير الطبيعة والجمع بين القص والسوريالية، إلا انه لم ينجح، قالت لي: “لا تحكمي على تركيا من خلال أنطاليا، انها مدينة سياحية”.

ولا أخفي أني كثيرا ما تساءلت عن تشابه تركيا مع البلاد الإسلامية؟، أعني إني بحثت فيها عن كل البيروقراطية العربية، وعدم الصدق، والنساء الملفعات بالسواد، ناهيك عن الفقراء الملفوظين من النظام الاجتماعي، والقذارة المجانية، ولكن لم اجد أيا من ذلك، رغم أني استمعت إلى شكوى العديد من الشخصيات العلمانية هنا من غلبة الزحف الاسلامي والفكر الغيبي على الحياة الاجتماعية، ونظام التعليم في المدارس، قالت لي إحدى المخرجات المتميزات والتي تعمل في مؤسسة نسوية: “المرأة التي ترتدي الحجاب في بعض المدن التركية تعطيها المؤسسات التابعة للأحزاب الدينية مكافأة مالية، لحظتها ضحكت، وقلت: نحن في غزة الرجل الذي يتزوج على زوجته ارملة شهيد تعطيه الجمعيات -المثيرة للغثيان- خمسة آلاف دولار، حتى لوكان عمره خمسين والأرملة عمرها عشرين، إنه سوق جديد للنخاسة”.

ومع كل تلك الشكاوى، إلا أن تركيا ليست بلدا اسلاميا بالمعنى الذي تحدثت به، كما انها ليست اوروبية كي تستحق عضوية الاتحاد الأوروبي، ولا أقصد هنا التقليل من قدر هذه المزاوجة الحضارية، بل على العكس أرى تركيا وعلى شاكلتها ماليزيا من البلاد التي نعتقد انها تتناقض من الخارج، ولكن ربما يكون هذا هو الانسجام الحقيقي للغرب والشرق حينما يجتمعان معاً ونحن فقط ككتاب وملاحظين، وعلمانين نتصيد الاخطاء.

وفي موضوع الاتحاد الاوروبي رغبت ان أنبه إلى شيئين يحولان دون انضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبي – طبعا إضافة إلى الاسباب الاعتيادية التي تعتبر اكبر حجج عدم الانضمام الدولية، وهي ضعف اقتصادها، والسلطة التي يجمعها في يده الدرك “الجيش”-، وهما كالتالي: الآذان الذي لا يزال يرفع في تلك الدولة بشكل رسمي، فليس هناك مدينة أوروبية يرفع فيها الآذان أقصد كجزء من شخصية الدولة الرسمية، ولكن لا تتخيلوا جماله حين يتناغم مع كل تلك الحضارة والطبيعة والحرية، هادئ وشامخ تستحقه تركيا ويستحقها، ففي مثل هذه المدن مكانه بالضبط، وليس كما تسمعه في بعض المدن العربية حين يأتي بجماله شاذا في أماكن يسطع فيها الظلم والفساد والضوضاء، واحيانا يحولونه إلى جزء منها باصرارهم على رفع صوت الميكرفون إلى أكبر درجة، وكثافة المساجد غير المبررة، وطبعا لا انسى قبح أصوات المؤذنين في غالبية الأحيان، فهم يتذكرون أن بلال بن رباح صبر تحت الصخرة، ونسوا ان كان له صوتاً جميلا حين يؤذن.

أما السبب الثاني لعدم انضمامها أن دورات المياه في جميع انحاء تركيا لا تزال فيها “الشطافات” وهي إحدى علامات المسلم، ههههههه أعرف أنه امر مضحك، ولكني أتكلم بجدية، أنصح تركيا بالتخلي عن “الشطافات” لقبولها في الاتحاد الاوروبي، من المستحيلات ان تجد “شطافة” في حمام في بلد أوروبي وهذا بالمناسبة امر يشكك في نظافتك طوال اليوم، رغم وجود ورق التواليت بكثرة –عرفت في تلك المدن قيمة ابريق الحمام الاخضر الذي في دار ستي-، أحد العرب المقيمين في أوروبا أخبرني: ” الغريب ان الاوروبين هم من يقرفون منا لأن في حمامتنا شطافات، ويعتبرونه امرا يزيد قذارة الانسان”، بالفعل كم تؤثر ثقافتنا وتربيتنا على نظرتنا للآخر.

لنبتعد عن الحمامات، ونعود لتركيا العلمانية، سأذكر اقتباساً طريفاُ قاله لي أحد أهم ضيوف المهرجان، وهو محكم في لجنة تحكيم الأفلام الدولية في مهرجان أنطاليا، عمل في مونتاج بعض الأفلام العالمية، ولن أذكر اسمه حفاظا على خصوصيته، ولكنه بريطاني من أصل صيني، وتجاورنا بالصدفة في الطائرة المتجهة من أسطنبول لأنطاليا، فقد رد ضاحكا حين حدثته عن الدولة العثمانية وما فعله الرجل المريض في الدول العربية طوال قرون: “..لكن أنظري الآن إنها في مصاف الدول العالمية بينما أنتم في الدول العربية تتراجعون..” طبعا معه حق، ولكني أردت أن أرد عليه ردا لئيما مثل: “ربما تركوا فيروس مرضهم قبل أن يرحلوا”…ما علينا ما رديت عليه ولا شيء، أكملنا نتحدث عن فيلم “الزمن الباقي” لايليا أبو سليمان، وأوضح لي أنه لم يحبه لأن إيليا يستعرض ذاته بكثافة في الفيلم، ورأيت بالفعل أنها خطى يوسف شاهين تتكرر فقد كانت معظم أفلام الأخير عن ذاته، ولكي لم انكر أن افلام سليمان الأولى ممتازة حتى لو صنعها للنقاد، أما فيلمه هذا فللمتلقي الفلسطيني الذي يريد ان يفهمه، لذلك تجد الجميع يتكلم عن الفيلم ويقتبس منه حتى على الفيس بوك، بينما “يد الهية” مثلا نخبوي الخطاب، فنتازي الروح..متواجد في ذاكرة المهرجانات.

واذا أردت هنا أن اخرج عن السياسة والدين والمجتمع في تركيا وأحدثكم عن مهرجان البرتقالة الذهبية للأفلام في أنطاليا والذي دعاني لأن فيلمنا “جرح غزة” دخل المنافسة الوطنية مع تسعة عشر فيلما تركيا وثائقيا، وقد تم اختيارهم من بين 130 فيلم، فليس هناك الكثير لاحدثكم عنه، سوى أن اسمه مهرجان البرتقالة الذهبية لأن انطاليا مشهورة بزراعة البرتقال ولكن كما عرفت من أهلها ان السياحة دمرت حتى أشجار البرتقال فحُمى بناء الفنادق في كل مكان، كما أنني محبطة من الافتتاح الذي كان في مسرح هرمي راقي، ويشبه افتتاحات الاوسكار مع كل تلك الموسيقى والفساتين والمشاهير الذين لا أعرف احدهم بالطبع لانهم اتراك ولكني أرى الناس كيف يصرخون حين يمشي أحد هؤلاء المشاهير على البساط الاحمر، وطبعا مشيت على البساط الأحمر وارتديت فستان أبيض طويل كلاسيكي يليق بالمهرجانات وشال وحذاء بكعب، لان إدارة المهرجان قالت انه افتتاح ضخم، ويجب أن  نرتدي رسمي، ومشيت ومشيت ومشيت على البساط الأحمر، وبالطبع لم يتعرف إلي  احد هههههه والمصيبة أن كعب الجزمة انكسر، وحاولت كسر الآخر دون فائدة..تخيلوا المعاناة..نادرا ما أرتدي الكعب..ولكني بصراحة استحق ذلك!!

احباطي من المهرجان والافتتاح ليس بسبب ذلك بل بسبب هجوم الناس الشنيع على رئيس لجنة التحكيم الدولية المخرج الصربي امير كوستاريكا بحجة أنه دعم جرائم صربيا في البوسنة، وانا قرأت كثيرا وتأكدت أنه كان يدعم جيشه مثل اي وطني ولكن ليس جرائمه، وحزنت من عبث الصحافة بمشاعر الناس، واصرارها على تتبع الحدث وافتعال المشاكل، وهذا بالفعل كان مقدمة لما حدث بحفل الافتتاح الضخم فبالاضافة الى تعثر المقدمين وخربطة البرنامج وقبح الديكور التقليدي جدا والذي على شكل عدسة كاميرا -وبالمناسبة اكتشفنا أنا وصديقي المخرج نجاتي سونماز والذي أخرج فيلم “جرح غزة” أنها ديكور لمجسم كاميرا فوتغرافية!!، – ما حدث أن أحد المعترضين على حضور المخرج قام في وسط هدوء الكلمات في الافتتاح وبدأ يعتصم ويصرخ في وسط الاحتفال وركض اليه الصحافيين وبدأ الهرج والمرج وهنا قلت لنجاتي: “حدث ذلك لأني هنا، ماذا تتوقع حين تكون إحدى الضيفات من غزة؟ هههه يا خسارة الفستان يا نجاتي ههههه”

جاء الأمن وطرد الرجل المتعصب، واكملوا الحفل المتعثر، اليوم بالمناسبة حفل الاختتام ولا أدري أي مفاجآت سيحملها، كذلك سيعلنون عن الأفلام الفائزة، وهناك فيلم  وثائقي أعتبره منافس لنا يلاحق  حياة أهل الجبل في تركيا للمخرج التركي ويكسل أوكسو، وهو رائع واستغرق منه سنين طويلة،  وأتوقع له الفوز، أنه أجمل من فيلمنا، ولكني لا أنكر اني اريد الفوز من أجل غزة، وساخبركم النتيجة في التعليقات.

ذاك المساء بعد أن انتهى حفل الافتتاح  وصلت إلى الفندق برجل متورمة، وكانت فرصة لأرتاح وأفكر كثيرا بما حدث مع المخرج وذاك المتعصب، ورأيت أنني يجب ان أتفهم جميع وجهات النظر، وشعرت كون الانسان ليبراليا لا يعني على الدوام ان يتساهل مع المظلوم، فقد يكون هذا المخرج متعصباً أيضاً لجيشه الذي قتل 250 ألف بوسني وبوسنية.

وبعد كل تلك الصولات والجولات والشجار بين وزير الثقافة التركي الذي رفض حضور المهرجان لتواجد المخرج الصربي كضيف شرف، وبين عمدة مدينة انطاليا الذي أكد أن أنطاليا دولة علمانية وليس لها علاقة بالتاريخ الطائفي، أتدرون ماذا فعل المخرج كوستاريكا المعروف بعبقرية أفلامه وموسيقاه؟، وقد استمعت إلى عزف حي لألحانه مع فرقته وكان ساحرا، لقد انسحب وسحب أفلامه جميعها، بعد كل أولئك المحبين والحلفاء له ولفنه، انسحب ولم يخبر أحد حتى بذلك، يقول زملاؤه : انه كان من المفترض ان يتناول الغداء معهم ثم يذهب لمحاضرة في إحدى الجامعات، هكذا بكل صمت توجه الى المطار وسافر، لا أدري هل من حقه هذا أم لا؟..لا أدري هل خدشوا ابداعه أم خدشوا ماضيه؟.

السبب الآخر لاحباطي من المهرجان ضعف الإعلان والاهتمام بالافلام الوثائقية مقابل اهتمام  كبير بالافلام الروائية أو الفتشر فيلمز كما يحبون أن يسمونها هنا وأحيانا الفكشن فيلمز، وبطبيعة الحال الهوس بالنجوم الذين كلهم بجمال مهند، والنجمات وكلهن بجمال لميس، وحاولت ان أتعرف على بعض الوجوه كي أصورها وأرسلها لماما، وشقيقاتي الصغيرات على الفيس بوك فهن يتابعن الدراما التركية، ولكن كان صعبا ان اتعرف إلى تلك الوجوه لأني لا أتابعها.

وفي الحقيقة غالبية التركيات والاتراك بجمال نجوم السينما، فهم يجمعون بين الشرق والغرب، ولا ادري كيف يحافظون على كل تلك الرشاقة في ظل هذا الطعام الساحر، والحلويات التي لا تقاوم، وقد إزداد وزني بشكل غبي، وقلت لأصدقائي أستعجل الرجوع لغزة فالنكد يسد نفسي هناك، هههههه، ولكن عبارتي هذه ظالمة، فأنا أحب غزة من كل قلبي.

وتواجدي معظم الوقت لوحدي هنا مع بحر أنطاليا الجميل والميناء الساحر بأضوائه في الليل يردني دائما إلى غزة ومينائها  وإلى ابني العزيز ناصر الذي بلغ ست سنوات الشهر الماضي، ودخل المدرسة أيضاً…واقول لغزة بهذه المناسبة السعيدة: “تشكرات افندم حياتم شكوزال”

انتظركم

محبتي

أسماء-أنطاليا

عن ألمانيا والسويد وما بينهما من جد وهزل

أكتوبر 9, 2010

بعد رجوعي من ألمانيا كان يجب علي أن اكتب عن رحلتي التي نظمها برنامج العلاقات الثقافية الدولية التابع للحكومة الألمانية، ولكني تأخرت بسبب السفر المتواصل، والمشاعر المختلطة التي قد يحملها معه السفر وتشعر معها كما جاء في احد نصوص التيبت: “الوطن ليس سوى مخيم في الصحراء”.
اطلعت خلال هذه الرحلة على معالم الفن الحديث في ألمانيا وجاء ترشيحي للبرنامج بسبب متابعتي وكتابتي عن المجال الثقافي، واكتشفت”متأخرة” في هذه الرحلة أن معالم المودرن آرت في ألمانيا بدأت قبل حوالي السبعين عاما حين بدأ الفنان بويز جنون تشكيل الانستاليشن ببدائيته الأولى وليس كما في القطاع والضفة فقد بدأ قبل حوالي الاثني عشر عاما، وسأكتب رأيي في مقالة متخصصة.
من ألمانيا توجهت إلى محطة مالمو في السويد حيث ذهبت لرؤية الصديق سامي قرموط في مدينة لوند المنخرط الآن في دراسة الماجستير ضمن برنامج الشرق الأوسط، ولا أدري هل المدينة تحمل اسم الجامعة ام ان الجامعة تحمل اسم المدينة؟!، ومن المعروف انها واحدة من أهم جامعات اوروبا، ولا أخفي ان اليومين اللذين قضيتهما هناك أجمل من سبعة ايام قضيتها في دسلدورف بالمانيا رغم ان سامي اعطاني مرتبة منفوخة بالهواء كي انام عليها طقطقت لي عظامي، فقد كان المنزل يعج بالطالبات والطلاب، ولا مكان لأسرّة فارغة، وهناك أيضا قصصت شعري عند حلاق عراقي-سويدي لم يأخذ ثمن القصة التي يفوق سعرها عن ثلاثين يورو، قائلاً:”ماذا ستقولين عني حين ترجعين..عراقي أخذ اجر يده من فلسطينية” -هههههه أحيانا فلسطينيتنا مفيدة- ولا انكر اني جاهدت نفسي كي اتعلم ألا أستخدمها، أو أقبل بالوقوع في فخ عاطفية الناس حين يتعاملون مع كونك فلسطيني سواء اجتماعيا او مهنياً، ولكن العراقي أصر ألا يأخذ.

بين المانيا ومالمو كان يجب أن آخذ القطار وهناك محطة توقف في كوبنهاجن التي تبعد حوالي الاربعين دقيقة عن السويد، ومعظم هذه الساعات تخللتها مواقف مربكة، فمثلاً حين قدمت بالقطار الى السويد طوال 14 ساعة كان معي صديق ألماني متوجها على نفس القطار الى برلين، وفي احدى المحطات نزل ليشتري شيئا وهناك رجع ليجد قطارا آخر متوجها الى موسكو!!، وبطبيعة الحال لم أستطع ايقاف القطار، ولا أخفي أني سعدت بذلك قليلا، لاننا كنا نتشاجر طوال الطريق حول غزة وما الذي يفعله اليسار الاوروبي الناشط في غزة، وكانت وجهة نظري أنهم يبحثون عن هوية فقدوها في اوروبا عبر تواجدهم على الحدود مع المزارعين في القطاع، او في العراق، فهم -من وجهة نظري- يبحثون عن نموذج العدو البسيط ألا وهو الاحتلال وكلنا نعرف ان الموضوع اعمق وأعقد من ذلك.
الموقف الآخر أن سامي كان يعرف أني الغيت رحلتي ولكني اتصلت به فجأة من محطة مدينة مالمو -فيها اكبر عدد من المسلمين ما يثير حفيظة اليمين السويدي- وكانت بالضبط مفاجأة جميلة صح يا سامي؟، مهما تركزت شجاراتنا على الكورن فيلكس الذي احبه مع حليب ساخن وهو يقرف من هذه العادة، كذلك ان زيارتي لم تصادف يوم اجازته  فكان يجب التوجه معه للجامعة فركضنا متأخرين تحت الامطار في الجو بارد مرتدية حذاء زهريا مضحكا علق عليه أحدهم :”لقد قتلت بامبي”هههه، وبالطبع وصلت مبهدلة لأجد في وجهي ان محاضر ودكتور القسم الذي يدرس فيه سامي، هو الكاتب والبرفسور المعروف Mark Levine صاحب الكتاب المثير للجدل:”Heavy Metal Islam”، وسمح لي بحضور المحاضرة ولكن قبلها طلب مني أن احدثهم عن غزة سياسيا واجتماعيا ودينيا، وهكذا فعلت لما يزيد عن الثلاثين دقيقة، وكان لي شرف المشاركة في الجامعة ومحاضرته، وأُثيرت اسئلة مهمة من طلبة تتنوع هوياتهم بين أمريكا وايران وفرنسا والسويد، وهذه الصدفة غير المخطط لها تلقيت على إثرها دعوة من الجامعة لحضور مؤتمر في القسم ذاته مع نهاية أكتوبر عن حل الدولتين المتوازيتين، وكنت سعيدة أني سأذهب مرة أخرى الى هذه المدينة الجامعية “لوند” التي كان انطباعي الاول عنها انها قرية ما دفعني لأسأل سامي عن مكان بقرته ( :
وبما أنها المرة الأولى لي في اوروبا، فلا انكر اني تعلمت الكثير: ( تعلمت أنك قد تعشق المكان ولكن المكان قد لا يعشقك)، وهكذا في ألمانيا فقد كان يجب أن أوضح ثلاث مرات على الأقل أني من فلسطين ولست من اسرائيل، فمابالكم حين أقول غزة، أحدهم علق: “آآه ذاك المكان الخطر”، أف!! هل الشعور بالذنب لا يزال يملأ معظمهم إلى هذه اللحظة؟ تفهمون اي ذنب بالطبع؟ !!
قابلت إحداهن في محطة دسلدورف الرئيسية، وانا اشتري القهوة، تتحدث الالمانية بطلاقة لكن يتخلل كلامها بعض العبارات الاختيارية بالعربية بلكنة عراقية مميزة فتقدمت منها، وكان حديثا سريعا: قالت لي أنها تعمل هناك منذ حوالي الستة أعوام، وحين سألتها هل توجد عنصرية أم أني أتوهم فضحكت قائلة: “حبيبتي العنصرية ليست ضد العرب فقط بل كل من له شعرا أسود”.
الشيء الآخر الذي تعلمته:( أن لا تكون أوروبيا اكثر من الأوروبيين)، فحين رجعت من السويد إلى برلين بالطائرة هذه المرة، كان يجب ان اتوجه إلى المطار في الليل فقضيت اليوم اتفرج على المدينة وزرت صديقتي ساندرا صافي زوجة الفلسطيني المتواجد حاليا في مخيم البريج محمد صافي، ثم تجولت في المدينة وصدمت فعلا باختلاف برلين عن دسلدورف التي كنت فيها في البداية، فقد رأيت كل الجنسيات فيها إلا الألمان والمحجبات في كل مكان وهذا التنوع الغريب أربكني وجعلني أشعر أني في تركيا وفلسطين والهند وسوريا وايران في وقت واحد، ولكن النظام الصارم للمرور والقطارات وجمال الابنية القديمة والجو ذكرني: لا انها أوروبا، فشموخ المدينة الذي يحتضن كل هؤلاء البشر جعلني اتشكك في حكمي الاول حول العنصرية وربما فقط كانت المدن الاولى التي زرتها مختلفة سوسيولوجيا بسبب برجوازيتها مثل كولون ودسلدورف.

وحين أذكر كولون لا يفوتني أن اشير إلى روعة المدينة التي فيها واحدة من أقدم كنائس العالم وتسمى بالكنيسة السوداء، واستغرق الانتهاء من بنائها700 عام.
وهناك أشعلت شمعة لغزة، كذلك في كولون أهم متاحف المودرن آرت، ويضم جزء مهم من اعمال بيكاسو وجماعة الجسر التي غيرت مسار الفن الكلاسيكي.
يجب أن أرجع إلى موضوعي فقد كنت أتحدث عما تعلمته حين رجعت من السويد إلى برلين وعلقت هناك في المطار بعد الغاء رحلتي الى امستردام ومنها الى القاهرة، بسبب خلل فني -من الجيد أنهم اكتشفوا الخلل قبل انطلاق الطائرة- وكان يجب ان ينتظر جميع الركاب لساعات حتى انتهاء تنظيم رحلات جديدة لهم فجلست على الارض بجانب حقائبي وكنت سارحة حين نظرت فجأة إلى الناحية لأخرى لأجد كلبا ضخما يكاد يلعق وجهي فصرخت، وتضايق صاحب الكلب لاني اخفت كلبه!! فاعتذرت له، وكان من ركاب الطائرة أوروبية جميلة ذات قلب طيب، تقف في طابورنا الأبدي-كان معنا أمريكي يحاول التقرب اليها طوال الوقت بطريقة مملة-، غضبت لاعتذاري وقالت بحزم : لا تعتذري انه هو المخطئ يجب أن يؤدب هذا الشيء الكبير، ووجدت أن معها حق وفكرت كثيرا ان ثقافة الاعتذار مهمة ولكن ايضا الكرامة مهمة حتى في أوروبا.
بالطبع تم تأجيل رحلتي إلى اليوم التالي، ومسارها أصبح من برلين إلى باريس ثم القاهرة، وكان علي الرجوع إلى برلين المهجنة بعد أن حجزت الخطوط الفرنسية لنا في فندق بجانب المطار، وهناك تعرفت على احد مهندسي السفن من اوروبا الشرقية الذي نادرا ما يخرج إلى اليابسة لانه يكرهها وكان متوجها الى جاكرتا ليلتحق بسفينته، واستغربت مدى معرفته بفلسطين ومشاكلها، وانسجمنا بالحديث في لوبي الفندق حتى اني لم انتبه أني نسيت أن آخذ اسمه وايميله، وهذا شيء أيضاُ تعلمته هناك:( لا تنسى أخذ الايميل فلن تتصادف مع الغرباء مرة أخرى لأنك مجهول مثلهم)، هكذا هو السفر تتعرف فيه إلى أناس رائعين ولكنهم عابرين، سواء في القطارات او في الطائرات او على ابواب السفارات التي انتظرت عندها ساعات للحصول على التأشيرات المختلفة فعلى الدوام هناك آخرين وأخريات ينتظرون ولكل منا حكايته، في نظري السفر المُعَلم الاكبر بعد الكتب وهذا شيء رئيسي ينقص قطاع غزة خاصة الاجيال الشابة التي يتآكلها الحصار.
ومن الأشياء التي تعلمتها أيضاً كيف ان( النظام الاوروبي مبني على الصدق والثقة وارضاء المبدأ الشخصي الأخلاقي قبل البحث عن نيل الرضا الجمعي)، فقد تترك حقيبتك لساعات لا أحد يلمسها وتأخذ القهوة وتترك او لا تترك المال في الصندوق المخصص لذلك، فلا أحد يراقبك، ولكن الجميع يضع ذلك المال، كذلك نظام القطارات والمترو مجانية بالظاهر فتستطيع أن تركب في أي وقت، وليس هناك رقابة على التذاكر فالجميع رقيبه المعنوي داخله هو ما يجعله يدفع كي يأخذ التذكرة الشهرية او الاسبوعية، ولا يحتاج لعشرة من رجال الشرطة ينظرون الى كل من يقطع تذكرة، كما في نظام المترو المصري، والناظم الوحيد في ألمانيا هو أن مراقب التذاكر يأتي كل فترة ويطلب من الجميع اخراج تذاكره واذا لم تفعل تدفع غرامة 40 يورو، وقد لا يصادفك طوال شهر.
وأستغرب من بعض من يشتكون من حكومتهم في ألمانيا، وهم أول الناس الذين لا يدفعون ابدا التذاكر ويعرفون جيدا كيف يختبئون حين ياتي المراقب ويستفيدون أشد استفادة من هذا النظام الليبرالي الذي يشتكونه.
انا لا اوافق على عبارة :”أن لهم أخلاق المجتمع المسلم في سلوكياتهم بينما نحن المجتمعات العربية لنا أخلاق المجتمع غير المسلم” انها عبارة عنصرية، تبين ان لا أخلاق سوى للمسلمين ومن الغريب ان يكون غير المسلمين لهم أخلاق، فالانظمة الاجتماعية والاخلاق الفردية ليس لها علاقة بالاديان، الخير والشر والفضيلة والرذيلة ظهرت قبل ظهور الاديان، فلن يكون الفضل للرقابة الالهية والجنة والنار لفعل الخير أو الشر، الناس لا تسرق ولا تقتل لانها لا تسرق ولا تقتل، وليس لأنها تتلقى رشوة كي تكون حسنة الخلق، فالخلق يجب أن ينبع من داخلك، وليس بسبب خوف من رقابة خارجية.
هذه المجتمعات الأوروبية عانت الكثير كي تثبت الرادع الاخلاقي المعنوي داخل الانسان، وبالتالي أصبح هناك نظام متكامل بينما نحن العرب الذين ابتلينا بحكومات فاسدة ماليا وأخلاقيا، تنعم بالأموال وتترك الملايين من الفقراء يقاتلون الجوع والجهل والحزن، دون اي وجه للعدالة كيف سيكون عندنا الأخلاق والثقة والصدق؟، ولا اريد أن أجد عذرا للمجتمعات العربية، ولكن بالفعل انها حكومات قاسية ترهب الجميع باسم الدين، والعقاب السياسي، وتطبيق الديمقراطية أحياناً.
ساكتفي بهذا الذي تعلمته وفي تدوينات قادمة سأكتب المزيد ولكن أريد ان ٍأسمع ماذا تعلمتم أنتم أيضاً من الثقافات الأخرى في حال كنتم قد سافرتم؟ أكتب هذه الكلمات على الاكياس الورقية وانا في الطائرة المتوجهة لتركيا ويضعونها حين تشعر بالغثيان-ليس معني ذلك أن كلامي سيصيبك بالغثيان ههههه- فقد نسيت دفاتري جميعها داخل الحقيبة الكبيرة، متوجهة الآن الى تركيا حيث دعوت للمشاركة في مهرجان البرتقال الذهبي للافلام في أنطاليا بعد أن دخل فيلم “جرح غزة” المسابقة الوطنية في المهرجان، وقد اشتغلت فيه مع المخرج نجاتي سونماز، وسأخبركم عن تركيا حين أصل، وبين تركيا واوروبا لن أنسى ان أخبركم بالطبع عن مهرجان التدوين الذي شاركت فيه بالقاهرة وضم المدونين الأكثر اثارة للجدل في العالم العربي بتنظيم مؤسسة الدوتشة فيللة.
أعرف اني تدوينتي هذه طويلة ولكن لا يوجد هنا في الطيران التركي شاشة كي أحضر أفلام كما تعودت كي أشغل نفسي عن الخوف من الطيران، وهذا جيد كي أكتب أكثر واكثر، وقبل أن أنسى اريد أن اخبركم ماذا تعلمت من الطيران:
لاحظت أن السماء طباقا، ولكن كم طبقة لم أنجح في عدها..وتأكدت أن الطيران مرعب مهما تعودت ومهما ادعيت ان قلبك قوي، وأيقنت أيضا أن من تتذكرهم في اللحظات التي تعتقد انها قد تكون لحظاتك الاخيرة هم اعز الناس، حتى لو لم تكن تعرف ذلك من قبل.
محبتي
سلام
أسماء الغول