حين يكون الطقس شديد البرودة والنقاش شديد الحرارة..إذن انت في الدنمارك!!

لم أعتد أن اكتب تدوينة بهذه السرعة حين أصل إلى بلد ما، وقد وصلت قبل يومين ولكن خواء المدينة في كوبنهاجن بالدنمارك دفعني إلى ذلك:  الضباب يحجب السماء، والبرد يلسع كل جزء مكشوف من وجهك ويديك، فتشعر فيه بالخدل كأنه لم يعد ينتمي إلى جسدك…الشوارع خالية، المدينة بالفعل ينقصها بشر، وأنا التي اعتدت على ازدحام اللحم البشري في كل متر من قطاع غزة

الليلة ..يملأني هذا الخواء، ومعدتي متلبكة بسبب الطقس البارد، وأشعر فيها بتقلصات مؤلمة لم تنفع معها كل انواع الشاي الغريبة هنا، ناهيك عن الوحدة والاحباط لأسباب عديدة، افتقد أصدقائي المدونين في المؤتمر الأخير الذي شاركت به في القاهرة، افتقد تلك الهارموني التي ولدت بيني وبينهم: السوري ياسين سويحة والأردني اسامة الرمح والبحرينية سعاد الخواجة، والمدون الألماني هاردلي.

وهذا الاغتراب الذي أشعر به في منتدى “حرية التعبير في خطر” الذي تنظمه المؤسسة الامريكية فريدوم هاوس، إضافة إلى مؤسسات دنماركية أخرى، ليس بسبب أنني أصغر المشاركين عمراً، أو لأننا نختلف طوال الوقت،- ففي نظر المحامي المصري جمال عيد أنا علمانية متطرفة-، بل لان الروح فرغت من انتظارها للسعادة والتفاؤل، كأن عمرها ستين عاما..

فتحت أغنية وعود العاصفة لمرسيل خليفة علّني ألتمس بعض ونس، ولكنها زادت حزني انهداراً، لا أدري..هل كل الأمر أني اشتقت لابني ناصر الذي حدثته ورأيته على سكايب أمس، والذي يسكن مع عائلتي في قطاع غزة، هل شوقه الذي يبثه لي دائما دق عندي ساعة الامومة والارتحال إليه، كي أضع حدا لرحلة بنت بطوطة هذه كما يسميها الصديق العزيز ياسين.

وكي لا أنكب على ذاتي وتفاصيل حزنها، سأهرب لأحدثكم عن المنتدى الذي أشارك به حاليا، ويتحدث عن حرية الرأي والتعبير واليوم قدمت فيه مداخلة حول الرقابة على الانترنت بين البدائية والتطور، وتحدثت عن حالة التدوين في غزة والضفة كنموذج، موضحة أنها تجربة لا تزال غضة وغير ناضجة، ومعظم الجيل الشاب  يستخدم الشبكات الاجتماعية للتدوين المبسط كالفيسبوك، وحين قلت الرقابة المتطورة قصدت  أن تقوم الحكومة بوضع برامج تجسس متطورة في العالم الافتراضي كي تتصيد المعارضين من المدونين، أو تلاحق الآي بي الخاص بجهاز حاسوب المدون أو المدونة.

أما البدائية أقصد بها حين يقوم رجل الامن بمراقبتك داخل كوفي نت-احد العاملين في كوفي نت بغزة قال لي ان رجل الامن يجلس بجانبه كل عدة أيام  ويجعله يفتح على الجهاز الرئيسي للكوفي، شاشات بعض المستخدمين ليعرف ماذا يكتبون-، او يضع الأمن كاميرا كما يحدث في  الأردن التي تمنع 48 موقعا في الوزارات والمؤسسات الحكومية بحجة عدم اهدار الوقت رغم ان اغلبها مواقع اخبارية، او يكون الجالس على الحاسوب بجانبك هو رجل امن كما يحدث في تونس التي صنفتها منظمة مراسلون بلاحدود لهذا العام من  البلدان المعادية للانترنت، وهناك طرق تجسس أخرى كأن يكون من ضمن أصدقائك على الفيس بوك ثلاث أو اربع زنانات يقدمون صورك وتعليقاتك بشكل مجاني للأمن، وهناك في قطاع غزة معتقلين  فيسبوكيين بتهمة التعرض للذات الالهية والنقاش في الدين-غالبا ما يتم الافراج عنهم في اليوم ذاته-، كذلك في الضفة الغربية اعتقال لصحافي يعمل لدى تلفزيون القدس لانه وضع صورا ساخرة للرئيس محمود عباس على بروفايله في الفيس بوك.

وبالطبع أشرت أن الوضع بين الضفة الغربية وقطاع غزة كأنه مرآة، فبينما تقوم الحكومة في قطاع غزة باعتقال الليبراليين والتحقيق معهم، كذلك تفعل حكومة الضفة مع الاسلاميين.

وعرجت على الرقابة الذاتية(سببها الخوف) والرقابة الخارجية (الحكومة، والمجتمع والمؤسسة الدينية، والعائلة) والتي تضع التابوهات امام المدون، فلا يستطيع الخوض في كثير من المواضيع التي تعتبر محرمات، ورأيت أن فعل التدوين في الأصل هو فعل انعزالي فردي مجاني وكثيف، تصعب معه الرقابة التقليدية، الامر الذي حل هؤلاء المدونين والمدونات من سيف الرقيب خاصة اذا كانوا لا يستخدمون أسماءهم الحقيقية، وقدمت مدونة “مقلوبة” كنموذج وكذلك قدمتها في ندوة جامعة القاهرة قبل أسبوعين، وأرجو منك يا مقلوبة ان تعرف انه أنا سبب نصف القراء عندك هههههه

وطبعا النقاش كان طويل في العديد من الأمور التي تتعلق بكون التدوين هدف أم أداة؟، واذا ما كان الاعلام الجديد بقواعده مختلف عن الاعلام الكلاسيكي الذي يتميز باحترافية عالية؟، وهل يجب فرض المسؤولية الاجتماعية على ما يكتبه المدون؟، ورأيت ان معايير الفضيلة في العالم الافتراضي مختلفة جدا، فقد انتهى زمن الدعاة والوعاظ، ومن يريد الرجوع إليه يذهب إلى المكتوب الورقي المكبل بقانون المطبوعات ورئيس التحرير والمحرر وسياسية التحرير، بينما في عالم الانترنت تختار انت فضيلتك، وتقرأ ما يعجبك او لا تقرأه، فعلى رأي المحامي جمال عيد، التدوين كسر تابوهات السياسة والجنس والدين، وانا أختلف معه بالطبع، لأن من كسره المدون أو المدونة ممن يخفون هوياتهم الحقيقية.

وبما أننا في الدنمارك وبما أنني علمانية متطرفة كما يقول زميلي، فأعلن اختلافي مع بعض من المشاركين العرب الذين يطالبون بفصل حرية الرأي والتعبير عن الدين في هذا المنتدى، باعتبار الأديان مقدسة ولكن هل الأمر بهذه السهولة؟،و هل ما هو مقدس عندك مقدس عندي؟، وهل حين أقول وجهة نظري في دينك وأنت تتحدث عن وجهة نظرك في ديني نكون فتحنا نار الكراهية؟،أليس البعض منا  سواء كان مسيحي أو مسلم أو يهودي ذاق مرارة أن يأتي دينك قبل وطنك وقبل أسرتك وقبل انسانيتك، وما يسببه ذلك من طائفية، وسيطرة الحكومات والأحزاب على عقل الشعب عبر نظريات مثل الحاكمية لله، وحزب المسلمين، والحكومة الربانية، أليست حرية الرأي والتعبير التي يجب أن تاتي قبل الدين هي التي تحميك لتكون على دينك وتقول قناعاتك، بما ان الأصل في هذه الحرية التنوع وليس فرض وجهة نظر واحدة، في رأيي من يطالب بفصل الدين عن حرية الرأي والتعبير يضع الدين في برج بعيد عن الواقع، ويعتقد انه المنقذ وحامي حماه، ومن هنا يأتي التطرف الاعمى وتبعية الشعوب للأحزاب الدينية دون تفكير.

ولا غضاضة من القول انه من ضمن برنامج المنتدى مقابلة المحرر المسؤول عن نشر رسوم النبي، ولا تصدقون كم غيرت هذه القضية من وجه المدينة الثقافي، فتشعر أن معظم الدنماركين خاصة من المثقفين والنخبة متربصين بموضوع حرية الرأي والتعبير، فعلى الرغم من برودة طقس المدينة، إلا أنه يخفي على الدوام تحته حرارة الجدل والنقاش في معظم المنابر الاعلامية، كأن كوبنهاجن كانت قبل حادثة رسوم النبي مدينة مختلفة عما هي لآن.

مواضيع كثيرة طرحناها في جلسات المنتدى حينا وبين المشاركين طورا، ولا أنسى عبارة مهمة للمحامي الجزائري  المخضرم مصطفى بوشاشي المشارك معنا حين قال: “اذا منع الاسلاميون  الويسكي، فهذا لا يعني انهم يستحقون ان يتم نفيهم من العملية الديمقراطية، فالديمقراطية عملية طويلة الأمد، وليست مصالح ذاتية”.

وأريد ان أختم الاقتباسات بما قاله المحامي جمال عيد رغم اختلافي معه بشكل كبير لكني  أحاول أن أكون فولتيرية*  :”أنا علماني عربي ولكن يجب أن يعرف ناشر الرسوم الكرتونية أن هناك العديد من العلمانيين ضد أذية مشاعر الأغلبية”

ولا أنسى ذكر الزميل رسام الكاركاتير المصري عمرو عكاشة والذي يعمل لصحيفة الوفد ويتحفنا برسومه أثناء الجلسات ويمررها علينا أو يتم عرضها على شاشة الأل سي دي، وغالباً ما يكون مبتسما بخجل الواثق من ردة فعلنا.

وسأكتب المزيد عن الدنمارك في الأيام القادمة، خاصة بعد أن أزور مدينة كريستينا وهي المدينة الوحيدة في العالم التي يضع ساكنوها قوانينهم بأنفسهم، ويسمونها مدينة “الهيبز” أو مدينة ” اللاقانون”، وتبعد عن الفندق الذي أقيم به ربع ساعة مشيا على الأقدام، وكذلك ساكتب عن مقابلة المجموعة مع  المحرر المسؤول عن نشر رسوم النبي.

وأرجع الآن إلى وحدتي، وهذه المرة مع صوت سعاد ماسي في اغنية “غير انت” في محاولة لتغيير مزاجي مع بهجة صوتها، وأشرب هذه المرة  نوعا من الشاي الكريه، أشك أنه حناء مطحونة، فربما يخفف من هذه التقلصات المرعبة.

تصبحون على خير

أنتظركم كالعادة ..فأنتم ونسي

أسماء الغول-الدنمارك

* فولتير: إني استنكر ما تقوله ولكني أدافع حتى الموت عن حقك في قوله

Advertisements

12 تعليق to “حين يكون الطقس شديد البرودة والنقاش شديد الحرارة..إذن انت في الدنمارك!!”

  1. مهند Says:

    كريستينا !!
    معقول في هيك في العالم وانا مش عارف
    لا لازم اروحها … اصلي انا بأكره القانون ..
    وحياتك سلميلي على اهلها لانه شكلهم اروق واعقل ناس في العالم….
    بالتوفيق

  2. محمد يوسف حسنة Says:

    أتمنى لك التوفيق فى رحلاتك فالاحتكاك يولد خبرة

  3. Osama Saber Says:

    تحياتي أسماء، هذه هي المرة الثانية التي تذكرين فيها مدونة مقلوبة المرة الأولى كانت في ندوة جامعة القاهرة والتي كنت حاضراً فيها وكان لي فيها مداخلة تخصك.- أتتذكرين؟ 🙂
    ..
    ..
    ع العموم ذكرك الكثير لمدونة مقبولة يجعلني أشك إنك صاحبتها.. 🙂
    ..
    ..
    بالغ تحياتي وتمنياتي بالتوفيق في نقاشك في الدنمارك.

  4. بهاء الدين الحجري Says:

    السلام عليكم

    سعيد باقتسام ما تعيشينه خلال إقامتك في الدانمارك

    وكنت أردت أن أعرف مشاعر عامة الناس هناك تجاه المسلمين والعرب، بمعنى هل أن مشكلة الرسوم سيئة الذكر مجرد حادثة أم تعكس الشعور الشعبي هناك.

    ودمتي بخير يا أسماء

  5. asmagaza Says:

    هههههه
    أسامة صابر
    يا ريت صاحبتها..هذا شرف لا استحقه..
    ولكن يجب على صاحب مدونة مقلوبة يرد عليك…

  6. بهاء الدين الحجري Says:

    لمزيد الاقتراب من الأفكار المهمة التي طرحتها في هذه المدونة، قمت بتبويب أهم الأفكار والإشكاليات التي تناولتيها :
    حول الرقابة على الانترنت بين البدائية والتطور
    1- الرقابة 4 أنواع : المتطورة والبدائية والذاتية والخارجية.
    2- فعل التدوين في الأصل هو فعل انعزالي فردي مجاني وكثيف، تصعب معه الرقابة التقليدية، الأمر الذي حل هؤلاء المدونين والمدونات من سيف الرقيب خاصة إذا كانوا لا يستخدمون أسماءهم الحقيقية، ==< مدونة “مقلوبة” كنموذج
    3- التدوين هدف أم أداة؟
    4- هل الإعلام الجديد بقواعده مختلف عن الإعلام الكلاسيكي الذي يتميز باحترافية عالية؟
    5- هل يجب فرض المسؤولية الاجتماعية على ما يكتبه المدون؟
    6- معايير الفضيلة في العالم الافتراضي مختلفة جدا، فقد انتهى زمن الدعاة والوعاظ، ومن يريد الرجوع إليه يذهب إلى المكتوب الورقي المكبل بقانون المطبوعات ورئيس التحرير والمحرر وسياسية التحرير، بينما في عالم الانترنت تختار أنت فضيلتك، وتقرأ ما يعجبك أو لا تقرأه، فعلى رأي المحامي جمال عيد، التدوين كسر تابوهات السياسة والجنس والدين، وأنا أختلف معه بالطبع، لأن من كسره المدون أو المدونة ممن يخفون هوياتهم الحقيقية.
    7- التدوين والدين : اختلاف مع بعض من المشاركين العرب الذين يطالبون بفصل حرية الرأي والتعبير عن الدين في هذا المنتدى، باعتبار الأديان مقدسة ولكن هل الأمر بهذه السهولة؟،و هل ما هو مقدس عندك مقدس عندي؟، وهل حين أقول وجهة نظري في دينك وأنت تتحدث عن وجهة نظرك في ديني نكون فتحنا نار الكراهية؟،أليس البعض منا سواء كان مسيحي أو مسلم أو يهودي ذاق مرارة أن يأتي دينك قبل وطنك وقبل أسرتك وقبل إنسانيتك، وما يسببه ذلك من طائفية، وسيطرة الحكومات والأحزاب على عقل الشعب عبر نظريات مثل الحاكمية لله، وحزب المسلمين، والحكومة الربانية، أليست حرية الرأي والتعبير التي يجب أن تأتي قبل الدين هي التي تحميك لتكون على دينك وتقول قناعاتك، بما أن الأصل في هذه الحرية التنوع وليس فرض وجهة نظر واحدة، في رأيي من يطالب بفصل الدين عن حرية الرأي والتعبير يضع الدين في برج بعيد عن الواقع، ويعتقد انه المنقذ وحامي حماه، ومن هنا يأتي التطرف الأعمى وتبعية الشعوب للأحزاب الدينية دون تفكير.

    وفي النهاية سيكون من دواعي سروري أن تمدينا بنص مداخلتك حتى يتسنى مناقشتها، فأنا لي الكثير لأقوله في هذا الصدد.

  7. ياسين السويحة Says:

    سلامات!

    بدايةً أود شكرك على ذكري في مقالتك الجميلة.. و اعلمي أن زيارة القاهرة ربما كانت من أكثر أسفاري تأثيراً علي, قضيت أوقاتاً رائعة بصحبتك و بصحبة الأصدقاء.. عائدون!!!

    نرجع لموضوعنا..

    بدايةً أنا ﻻ أتفق انك “علمانية متطرّفة”.. أجد من الطبيعي في ناشطة حقوقية تعيش وسط نظام إسلاموي مثل نظام حماس أن يكون لها خطاب نقدي بخصوص فرض الهيمنة الإسلامية و جدليتها مع حرية الرأي و التعبير و الممارسة الشخصية (المرحوم أبو عمار كان شعاره أن طريق القدس يمر من جونية.. حماس تعتقد أن طريقها إلى القدس يمر من منع الأراكيل و جلابيب و حجابات الطالبات.. عسى أن نجد فصيلاً فلسطينياً يتجه نحو القدس دغري, أو عدل, كما يقول الأحباب الفلسطينيين)… في الثمانينات كان خطاب تجمعات المعارضة في المنظومة الشيوعية معادياً للاشتراكية, في اسبانيا أيام فرانكو كان الخطاب الناشط مفرطاً في صداميته مع المنطق القومي- الكاثوليكي لدرجة إنكار فكرة اسبانيا كقومية! لذلك, أكرر, من الطبيعي أنك خطابك كناشطة في غزة ينتقد السلطة هناك, حيث يُقحم الإسلام في كل شيء.

    طبعاً أنت تعرفين, لكن أوضّح للقارئ الذي ﻻ يعرفني أن كلامي عن حماس ﻻ يعني موقفاً ضد المقاومة, بالعكس تماماً, بل ﻻ مشكلة لدي في التضامن نفسياً مع حماس كحركة مقاومة, لكن هذا ﻻ يتناقض أن أنتقد تصرفاتها إن كان إيديولوجياً أو عملياتياً, و أن أصطدم مع فكرها (فكرياً). ﻻ أستسيغ حصر فكر المقاومة و رفض التسوية في حماس و حزب الله.. على كلّ هذا حديث يطول

    بخصوص الدين و حرّية التعبير.. الجدلية الأزلية الأبدية في العالم أجمع.

    أنا شخصياً ضد التفسير الثقافوي لمشاكل العالم, و ضد نظريات صراع الحضارات بكل ما لديّ من قوّة, و بالتالي ﻻ أعتبر أن الدين (أو فساد تطبيق الدين) هو أصل مشاكلنا و ﻻ حتى جزئياً, لكن هذا ﻻ يمنع أن يكون لدي فكرة نقدية عن التيارات الدينية كافة خصوصاً بما يخص النزعة التمددية و هاجسها في السيطرة على المجتمع من حيث ترسيخ منظومتها الأخلاقية كمنظومة وحيدة و كل من يخرج عنها هو إنسان بلا أخلاق و بلا شرف..

    بالتأكيد أن ضد اﻻستفزاز المجاني ليس فقط للدين بل لكل الناس (لماذا نتحدّث و كأن المتدينين هم فقط أصحاب الأحاسيس و المشاعر التي يمكن أن تجرح؟) و أرى كثيراً من الأمور تحدث كمجرد بحث مجاني و فارغ عن الضجة و الشهرة.. أكيد. لكنني ﻻ أؤمن بالنظريات الوردية من طراز (حرية التعبير مصونة شرط عدم مس مشاعر الآخرين), لسبب بسيط و هو أنه ﻻ يوجد مقياس واضح و موضوعي لمعرفة أين توجد حدود مشاعر الآخرين, ﻻ يمكن ترك تحديد هذا الأمر بيد الطرف الآخر (إن كان متديناً أم ﻻ) ﻷنه سيضعه بعيداً حيث ﻻ يمكن نقاشه. ﻻ يمكن الحديث عن حرية التعبير دون الوضع بعين اﻻعتبار أن بعض ما سيقال سيستفز أحدهم أو سيعتقد أنه يمسه.. و لو حاولنا تعقيم هذا الأمر فسيكون و كأننا نقول لأحدهم أنه يستطيع الذهاب إلى حيث يشاء شرط عدم الخروج من المنزل!!

    نحن في منطقتنا بحاجة لدخول في نقاش مع كثير من الموروثات الدينية, و هذا النقاش بطبيعة الحال سيعتبره البعض “مسّاً لمشاعرهم”, و هذا ثمن يجب أن يُدفع بلا شك.. ﻻ بل و أزيد من البيت شعراً و أقول أن مجتمعاتنا بحاجة بين الحين و الآخر لصدمات فكرية تجاه مواضيع معيّنة.. ليس لتغيير رؤيتها تجاه هذا الموضوع أو ذاك و إنما فقط لكي ينشأ الوعي أنه موضوع يمكن الحديث فيه.. صدقوني هذا أفضل للجميع من التابوهات..

    بخصوص المثال العملي لرسام الكاريكاتيرات الشهيرة (للأسف).. أنا شخصياً لم أستسغها, لم أجد أين الظريف في الموضوع, لم أجد حتى الفكرة أو شبه الفكرة التي يريد إيصالها, و أنا ضد هذا التيار الإسلاموفوبي رغم كوني علمانياً ﻷنه ليس مقارعة فكرية بل عنصرية بغيضة.. لكن هذا ﻻ يعني أن أعتبر أنه قد اقترف جرماً, بل أن من يحاول قتله هو المجرم, من أعطى للعالم صورةً للعرب و المسلمين أنهم شرذمة من الهمج و المتوحشين الذين يحطمون و يحرقون و يقتلون من أجل قصاصات ورق هو المجرم (مجرم بحق المسلمين و العرب أولاً و قبل كل شيء).. و إن اعتقد البعض أنهم بهذه الحركات الهمجية يكسبون احترام العالم فهم يخطئون.. قد يكسبون خوفه, لكن ليس احترامه.. إن أمّة تسكت عن القهر و البطش و الاستبداد و الجهل و التخلف و انعدام العدالة اﻻجتماعية و تنتفض من أجل قصاصات ورق هي أمة ﻻ تستحق أن تحترم.. و أنا أريد للعرب و المسلمين أن يُحترموا, ﻻ أن يكونوا مصدر خوف… ﻷن تصوير العرب و المسلمين كأمة من المتوحشين هو بالضبط ما يريده العنصريون, و هو بالضبط ما يساعدهم عليه “الغيورون على اﻷمّة و مقدساتها”.. الأمر يتجاوز حرية التعبير هنا بكثير..

    أعتذر عن الإطالة و أرجو أن أكون قد وفقت في إيصال فكرتي بشكل مقبول

    تحية

  8. Tarek Zamzam Says:

    صديقتى العزيزه اسماء ..

    لقائنا الأخير فى القاهره لم يمر عليه سوى بضعة أيامٍ معدودات .. لكننى اشعر ان اللقاء مازال مفتوحاً .. فكعادتك اصطحبتنا معك إلى كوبنهاجن مثلما اصطحبتنا من قبل إلى برلين و استوكهولم و منهما إلى انطاليا .. تعايشتُ الندوات .. تعايشتُ الجدل و النقاش الحار مثلما شعرتُ بلسعةِ الطقس البارده و مذاق الشاى ( اللاشاى ) ..

    الهارمونى المتواجد بينك و بين الصديق الجميل ياسين السويحه يسعدنى كثيراً .. فلا اخفى سراً رغم مقابلتى الصادفه بمعظم المدونون العرب بمؤتمر القاهره إلا ان هناك شيئاً نابعاً من التوافق الفكرى و الشخصى و ربما الروحى جذبنى نحوكما بشده رغم الساعات القليله التى جمعتنا .. و اعترافك بهذا الانسجام و الهارمونى المنشأ بينكما يؤكد شعورى المسبق تجاهكما مثلما يؤكد وجهة نظرى الصائبه ..

    بالنسبه لتفاصيل مقالتك و مناقشة قضاياها التى تتلخص فى ( اتهامك بأنك علمانيه متطرفه .. الدين و حرية التعبير .. رسام الكاريكاتير الخاص بالرسوم المسيئه للرسول ) فقد سبقنى الصديق ياسين السويحه بالمناقشه و الذى اتفق معه بنسبه كبيره فى حواره .. اما النسبه الأخرى الضئيله فسأتركها للقاء القادم ان شاء الله .. و مثلما قال ياسين ” عائدون ” ..

    كلمه اخيره ..

    شوقنا اللا متناهى إلى ابنائنا يُعدًٌ بمثابةِ تيارٍ نلهث خلفهِ ليجرفنا دوماً بإرادتنا و برغبتنا إلى دوامةِ عشقهم الأبديه .. ربما تتوقف رحلتك قليلاً بفعل الأمومه لكن رحلة بنت بطوطه الفولتيريه لن تتوقف مع قلبها النابض ( ناصر ) .. هنيئاً لكِ بناصر و هنيئاً له بأمٍ مثلك ..

    إلى اللقاء .. محبتى

  9. رشيد اغباريه Says:

    او في براد سجن دوله عربيه
    فعند الحكام العرب النييرين يتم تنظيف الشوارع من كل من يحاول ان يفكر
    لتمتلئ السجون بخيرة المفكرين من كل التنظيمات سواء كانت دينيه او ماركسيه او قوميه

    وبما ان الشيئ بالشيئ يذكر فأنا اتذكر وثيقة الاسرى التي استطاعت الفصائل الفلسطينه ان تصوغها في السجن دون ان تستطيع القيادات “الحره” من تبنيها

  10. نوفه Says:

    أنا أؤمن بحرية أي شخص في قول ما يريد واعتناق ما يريد فهذا شأن خاص به

    لكن يجب أن لا يتعرض لثوابتي وينتقصها بدعوى حرية الرأي حريته تنتهي عند التعدي على حريتي

    وهذا ما يفعله بعض العلمانيين والكثير من الليبراليين في بلدي بالتحديد

    استمتعي بهذه الرحلة فانا أتمنى لو اكون مكان فلن أكون حزينة

    أتريدين المبادلة 😀

    موفقه غاليتي

  11. asmagaza Says:

    نعم…أريد أن اكون في السعودية..وتعالي إلى كل المدن التي أتواجد بها…
    أعتقد أنها ستكون تجربة مثيرة للاهتمام
    محبتي لك عزيزتي
    أسماء

  12. تجمع المدونين الفلسطينيين Says:

    حين يكون الطقس شديد البرودة والنقاش شديد الحرارة..إذن انت في الدنمارك!!…

    لم أعتد أن اكتب تدوينة بهذه السرعة حين أصل إلى بلد ما، وقد وصلت قبل يومين ولكن خواء المدينة في كوبنهاجن بالدنمارك دفعني إلى ذلك:  الضباب يحجب السماء، والبرد يلسع كل جزء مكشوف من وجهك ويديك، فتشعر فيه بالخدل كأنه لم يعد ينتمي إلى جسدك…الشوارع خالي…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: