Archive for 24 ديسمبر, 2010

اعترافات متأخرة في حب الحكومة!!

ديسمبر 24, 2010

إنه ذلك الخواء القاتل حين لا يبقى في داخل الروح الكثير لتعتمد عليه، ينضب الحب والايمان والتفاؤل وحتى الشجاعة، وتكون وحيدا لكنك على الأقل معافى العقل، ولا تهدأ سوى مع قراءة كتاب جديد او نص تكتبه وتشعر بالرضى عنه قبل أن تتباهى به في شوارع الفيس بوك، لكن ذاك الخواء هو في الأصل حزن معشش لا تنتبه إليه الا حين يطفئ عينيك ويتآكلك، فيصبح كل شيء مع وقف التنفيذ حتى التدوين والحب.

ولتكون اليوم هذه تدوينة الاعترافات في العام الجديد، وأقول ان جزءاً كبيراً من ذاك الحزن سببه مشكلة شقيقيَّ مصطفى وعبدالله حيث كان الاول معتقل عند حكومة غزة والكل يعرف السبب فقد كتبته في تدوينة سابقة، أما عبدالله فهو معتقل عند حكومة مصر وتهتمه انه يدرس في مصر دون اقامة، والتي لا يحصل عليها الطالب الذكر من قطاع غزة الا اذا كانت له “واسطات” فتحاوية، أو لأحد أفراد عائلتله علاقة جيدة بحكومة رام الله، وطبعا واحدة مثلي قلمها لا يعرف حبيبا ولا صديقا لن يكون لها هذه العلاقات.

وهذه أسباب تأخري عليكم في تدوينتي رغم أني أظل أكلم نفسي طوال اليوم، ويقترح علي عقلي عبارات وأقترح عليه المزيد منها لتدوينتي القادمة، وهكذا فعليا أبقى أكتب مقالتي في عقلي طوال الاسبوع أو الاسبوعين وحين تتخمر تخرج وحدها كأنها حبة كستناء لم تعد تحتمل نضجها تحت الحرارة فتنفجر معلنة عن نفسها، وهكذا كانت الفترة الماضية فيها العديد من الأفكار والمواضيع والاشياء التي حدثت وكلها صالحة للتدوين، ولكني افضل ان اجمعها مرة واحدة على ان اكتبها في تدوينات قصيرة.

واليوم أكتب لكم بحزن وبطء وتشتت وكأن روحي ماتت.. من هنا من مكاني المؤقت في القاهرة إذ جئت كي أحاول حل مشكلة شقيقي عبدالله مجاهدة مثل عمياء في متاهة كي يرجع لدراسته بعد أن أخذ فيلمه “تذكرة من عزرائيل” شهادة تقدير لجنة التحكيم في مهرجان دبي السينمائي الدولي الأسبوع الماضي.

وبعيدا عن القاهرة ودوشتها..سأبدأ بقصة صغيرة حدثت في آخر خميس من شهر نوفمبر الماضي في غزة،  ولم اجد الوقت كي اقصها عليكم وسأسُوقها هنا لأهميتها، كما أريد بعدها ان أهمس اعترافاً من قبلي يخص حكومة غزة ومتأكدة انه سيثير زوبعة من النقاش بينكم.. إذن دعوني أحكي لكم: كنت أقوم بتوصيل والدتي وابني إلى سيارات الجنوب عند مشفى الشفاء بمدينة غزة لأطمئن عليهما فهما يحملان عدة حقائب حين صرخ فجأة بأعلى صوته شرطي يجلس مرتاحا على أحد الكراسي على الرصيف بأن اتقي الله وأن ارتدي شيئاً محترماً، وطبعا بعدما بث الرعب في قلب والدتي المتعب أصلا وروح ابني الطفلة سألته: “لماذا تصرخ؟ وماذا تراني ارتدي غير بنطلون وبلوزة؟ واذا كان لبسي ليس محترما لماذا تنظر لي؟” وهنا رد: “غوري عن وجهي”، ولم أتحرك من مكاني بل أجريت عدة اتصالات مع جهات  صحافية..وهو مشى مسرعاً إلى المكتبة الكبيرة المقابلة لسيارات الجنوب وبقي فيها لبعض الوقت..

ربما هناك من القراء من يتساءل متأففاً: أليس هناك سواك في غزة ليتم انتهاك حقه؟, يا شيخ زهقيتنا!!.. أرد: معك حق وانا بالفعل استغرب وزهقت من حالي، ولكن هذا اذا كان يدل على شيء فانه يدل على ارتفاع معدل انتهاكات الحريات الشخصية لكل فرد منا، وحجم الصمت عند الناس، وان كل واحد فينا يمر بانتهاك شخصي مرة واحدة في غزة شهريا على الاقل ويفضل الصمت على الحرج العلني، عكس ما افعله أنا…

وتستغربون لو قلت لكم أن غالبية ما يحدث في قطاع غزة يرجع إلى خطأ المواطن منا أنه يصمت ولا يشتكي خطيئة المسؤول، حتى لو أنك اشتكيت الشرطة للشرطة، فمن هنا يبدأ التغيير.. وهذا ما فعلته حين جاءت بالفعل دورية خلال خمس دقائق وأخذت الشرطي، الذي تم التحقيق معه، وسجنه بعد ذلك كعقاب له وبالنسبة لي هذا بعض تأكيد على صحة مسار حملة مواطن كريم يحميه شرطي حكيم…

حادثة أخرى تتعلق بالحريات الشخصية حدثت في الأسبوع ذاته حين كانت الصديقة الصحافية مي البيومي والصديق الصحافي زهير النجار يتناولان القهوة في كوفي شهير بالرمال، وصعد اثنان قالا أنهما محققان من أحد أجهزة الشرطة وتحلقا حولهما وسألاهما حول ماذا يفعلان؟ وكيف زهير يعرف مي؟، وسألا مي اذا ما كان أهلها يعرفون انها تجلس الان هنا؟..تخيلوا أليس هذا قذفا للمحصنات والظن الآثم، كما صادر المحققان جهازي تلفون المحمول واللاب توب اللذين يخصان الصحافي زهير، وتم التوجه بالشكوى للشرطة ولعدة جهات أخرى، وكانت حجة المحققيّن أنهما تكلما معهما باحترام ولطف، ولم يثيرا فضيحة..”والله يا عجبي!!..”

إذن لا يجب أن يسكت اي منا عن حقه، كما لا يجب أن يخاف من رجل أمن،  ولا ينحرج مهما كان نوعية وخصوصية الظلم الواقع عليه، وأن يتوجه بالشكوى للشرطة ذاتها ومؤسسات حقوق الانسان أو التوجه إلى مكتب المراقب العام لوزارة الداخلية د.حسن الصيفي في تل الهوى،  ويراسل موقع الشكوى الخاص بوزارة الداخلية على الانترنت أو موقع النيابة العامة، أو التوجه إلى ديوان المظالم التابع لشرطة غزة والذي يستقبل الشكاوي على ايميلqazaplice@hohmail.com ورقم جوال0595566737، ويجب على كل مواطن ومواطنة فعل ذلك خاصة من اعتدى ضابط على حقه أو حقها في الشارع والأماكن العامة بحجة الفضيلة والتقوى، لأنه ليس هناك وصي رباني من أحد على أحد (ولا تزر وازرة وزر أخر).

ولا ننسى أن العقد الاجتماعي المفترض بين المسؤول والرعية يحتم توازن السلطات الذي لا يتأتي سوى بالصراحة والنقاش والشكوى، وعدم الخنوع لرعب الكرسي والتسلط والسلاح واستخدام الدين.

العالم يشهد الآن ظاهرة ويكليكيس وفضح وثائق تخص اقوى دولة عسكرية واستخبارتية في العالم ألا وهي أمريكا ونحن لا نزال نتردد في حقنا بشكوى الظلم وإعلانه!

والسبب الآخر لأهمية الشكوى أتركه بين أيديكم كما يقوله أحد الفلاسفة : ” إن أولئك الذين لم يردوا على التحرش بهم، إما عن عجز وإما لعدم توفر الفرصة أو ابداء لسخاء مسرحي، يحملون على وجهوهم علامات غضبهم المكبوت، آثار الاهانة والخزي، العار الناشئ عن كونهم سامحوا. تنقلب عليهم الصفعات التي لم يوجّهوها وتنهال على وجههم مشهّرةً بجبنهم. فإذا هم ذاهلون مهووسون، متقوقعون على خزيهم، مشحونون بحرقتهم، منشقون على الآخرين وعلى انفسهم، منطوون بقدر ما هم على أبهة الانفجار، وكأنهم يبذلون جهداً فوق طاقة البشر لتجنب صرع يتهددهم..“! وهو بالفعل ما يحدث بمجرد خروجك إلى الشارع وركوب التاكسيات فترى عشرات الوجوه الكالحة الحزينة، وتسمع مثلها من الشكاوى والتنهدات بشكل علني لم يسبق له مثيل من قبل في قطاع غزة..

وهذا يقودني إلى عدة أسئلة تدور في عقلي تتعلق بما حدث وبما يحدث يومياً في قطاع غزة: كم انتهاكاً شخصياً مكتوب على كل غزي وغزية أن يتلقاه وتتلقاه؟ هل لكل مواطن شرطي وضابط وصيان عليه؟ اذا كل مواطن ومواطنة نزع الحرج والخوف وذهب ليشكي الشرطة للشرطة هل ستخف هذه الحوادث؟ إلى متى ستبقى الحكومة تتعذر بالتصرفات الفردية ؟ هل اذا صرخ الشرطي بأعلى صوته اتقي الله يكون من حقه لانه استخدم الله هنا وتسقط عنه الشكوى، وعقابه تم لأنه قال لي غوري عن وجهي فقط؟ هل من حق أي جهة حكومية شرطية مصادرة اي جهاز حاسوب وتلفون محمول والتفتيش به في اي مكان وزمان؟ هل بسبب الأمن والأخلاق من حقنا وضع البلد كله تحت الشبهات؟ هل نمنع عن الشباب والفتيات والزميلات والزملاء والاصدقاء والصديقات وحتى المغرمين والمغرمات ان يلتقوا في الاماكن العامة وعلى الملأ وبالتالي ندعوهم إلى الخطأ والنفاق والكذب وحياة خالية من الصراحة لأننا بشكل أو بآخر نقول لهم تقابلوا في الاماكن المغلقة.؟!

هل مكتوب على غير المحجبات ومرتديات البنطال والجينز أن يبقين يتنقلن الى الابد بتاكسيات طلب كي لا يتعرضن لمضايقات مماثلة يسمونها هم النصيحة ولكنها فضيحة؟، هل يجب أن تعاني نساء غزة أيام شرطة فتح من رعونة الشرطي ومضايقاته لانه يرى كل انثى صيدة سهلة، وايام شرطي حماس من عقدة الشرطي من البنت وحقده على أنوثتها كأنه يريد قتلها لانها تعكس اوهام كبته؟، الى متى سنبقى في هذا التمزق: في نظرهم نحن انحرفنا عن الطريق وعصاة وفي نظرنا هم متخلفين ومتعصبين؟ إلى متى ستبقى مظاهر التدين “الحجاب، ارتياد المسجد، النقاب، اللحية، نغمة الجوال، السلام باليد…” مقياس للشرطة والناس والحكومة وشيخ الجامع لمحاكمة النساء والرجال والشباب والفتيات بل مجتمعا بأكمله وتوزيع البركات والفضائل على أساسه…؟ هل الاختلاط ممنوع في الاماكن العامة والمقاهي في غزة؟ اذا كان الامر كذلك فليقولوا لنا بشكل رسمي؟ هل اذا اخفينا قناعاتنا والتي في نظركم معاصي تباركوننا، واذا أعلنا قناعاتنا تحاربوننا؟ هل كل الأمر انكم تريدونها في السر؟ وليس العلن؟ لماذا لا يسمح لنا بانتقاد استخدام الدين في حين تحقن وسائل الاعلام والمساجد الوعي المشوه في اي وقت تريده وبالشكل الذي تراه؟ هل غزة أصبحت مدينة الأمن وليس الأمان؟

ولأعلن هنا اعترافي المتأخر بأن حادثة مصطفى شقيقي والظلم الذي وقع عليه وعلينا، وما حدث من صراع داخلي لاطلاق صراحه، وبعض الشخصيات التي وقفت معنا من حركة حماس والحكومة، وكذلك عقاب الشرطي الذي أخطأ بحقي، ومراجعة من قام بمضايقة الجالسين في الكوفي، وكل قصة عادلة لا نعرفها تصرفت فيها الحكومة بما يرضي العقد الاجتماعي، يجعل كل المؤشرات تؤكد أن هناك تيار سياسي تنويري في الحكومة يعترف بأخطائها، مقابل آخر لا يستطيع أحد اخفاء عنفه وقوته وتحكمه بالقطاع وادعاء ربانيته، وعلينا جميعا بشكل او بآخر مساندة التيار الأول وان نعرف كيف نحبه دون ان نقع في فخ ازدواجية ذواتنا وكذلك دون أن نهاجم الكل لمجرد المهاجمة ونعرف من يستحق دعمنا وتشجيعنا وشكوانا.

وأرجع الآن إلى الخواء وغرفتي الكئيبة بعد أن أخرجت بعض حيرتي إليكم  وإليكن، وأنتظر منكم ومنكن الردود..

تحياتي

أسماء الغول -القاهرة

Advertisements

من سجنه في غزة: شاب طيب يعلن علينا الكرامة

ديسمبر 7, 2010

كنت أعتقد أنني الشُجاعة الوحيدة في عائلتي الكبيرة المكونة من ست شقيقات وثلاثة أشقاء، والشجاعة هنا بمعنى المواجهة والجرأة الاستثنائية في وجه الظلم، وكنت دائما حين يُوجه إلي سؤال: “من أين تستمدين قوتك؟”، أرد: ” من ايماني ومن عجزي”، لكني اكتشفت اليوم أن شقيقي مصطفى عنده هذه الجرأة الفادحة في شدتها، لكنها ناعسة تحت أردية الهدوء، والتسامح والطيبة، وكره التحزب، وبغض الادعاءات البطولية، ما جعلني أجزم بأن السبب الحقيقي لهذا التقليد العائلي “الشجاعة”: التربية التي جاهد والدي كي يظفر بها في بيئة تقليدية جدا وتكاد تكون لاعنة لأسلوبه إلى حد المشاكل مع أطراف بعيدة من العائلة.

إن ايمان والدي بعدم ملكية ابنائه وبناته، وتربيتنا على قوة العقل والكتب التي نشأنا نحن التسعة ووجدناها حولنا بكثرة هي التي ساهمت في قوة الحجة التي لدينا  والايمان العميق بقناعاتنا، وأن ما يسِمنا من حسم وثبوت لا يعود ابداً الى فترة طارئة وتأثر عابر، بل ثقافة راسخة مثل رسوخ أسمائنا في الذاكرة.

ومن هنا ومن خلال هذه التجربة التي أمر بها اليوم، عرفت قيمة فترة نضجنا رغم صعوباتها، والتي تنقلنا خلالها بين رفح والامارات وغزة على مستوى المكان، وبين الدين والليبرالية والتجريب على مستوى الفكر، وعرفت قيمة شقيقي، ومدى غروري إذ اعتقدت اني الوحيدة التي أتمتع بشجاعة استثنائية وقوة نفسية وعقلية عاليتين، وهنا إليكم حكاية الاكتشاف:

شقيقي مصطفى الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين وضعيف البنية والذي درس  البصريات، وعلّم نفسه بنفسه العزف على العود أثناء جلوسه ساعات إلى آلته الشرقية معتمداً على برامج انترنتية، وكذلك يحب قراءة كتب العقل والنقد من مصادرها الأجنبية مباشرة، ويداوم على رياضة اليوغا يومياً لساعات، إنه الآن وفي هذه اللحظات التي أكتب لكم فيها عن مفاخِره مسجون في أحد المعتقلات كسجين حرية رأي وتعبير، بعد مشاركته معنا في اعتصام سلمي امام منتدى شارك يوم الأحد 5-12-2010، اعتراضا على اغلاقه.

وقد اعتقلوه بعد فض الاعتصام  إضافة إلى اعتقال حوالي عشرين شابا وضربوا احدى المشاركات وأهانونا وصورونا في حين لم يسمحوا لطاقم الجزيرة انترناشونال بالتصوير، وصادروا كاميراته واحتجزوه، فعلى ما يبدو ان اعتصام من ثلاثين شابا وشابة هز الأجهزة الامنية التي تجمعت حولنا بالدراجات والسيارات يومها في مشهد لن يتكرر في تاريخ غزة القادم كثيرا.

وبعد اتصالات مكثفة تدخل فيها صحافيون وسياسيون وحقوقيون، أخرجوا الشباب في نفس مساء يوم الأحد، وبقي اسعد الصفطاوي ومحمد الشيخ يوسف وشقيقي مصطفى الغول، رغم كل الوعود بإخراجهم في الليلة ذاتها، لكنهم قضوها هناك، ليخرج بعد عصر يوم الاثنين 6-12- 2010 كل من الصفطاوي والشيخ يوسف.

وحدثاني بعد خروجهما مباشرة عن عناد شقيقي، الذي لم يتكلم امام المحققين، ولم يرد على استفزازاتهم حين وصفوه بالديوث لأنه تارك اخته التي هي أنا “على حل شعرها”، ومتبرجة وتشارك في اعتصام به شباب ناهيك عن تحررها المتعارف عليه، وقلمها العلماني وعدم ارتدائها الحجاب، ولم يقبل الشابان أن يكملان بقية ما قيل عني اثناء التحقيق مع مصطفى خجلاً، وأوضحا أن كل ذلك كان في محاولة لتدمير نفسية شقيقي….لحظتها سكتنا كأننا أيقنا للحظة حجم مصيبة وطن نصبوه على أوتاد من التخوين والتكفير وتلفيق التهم.

وابتسمت داخلي ساخرة من نهج التحقيق الذي يستخدمون فيه الشرف والابتزاز والتهديد، متذكرة ما فعلته سجون السلطة من قبلهم وسجون الاحتلال من قبل كل منهما، لكن ما يختلف هنا قناعة مطلقة لدى المحققين انهم لا ينطقون عن الهوى..، رغم أنه ليس الدين من جلبهم إلى الحكومة بل قوانين واتفاقيات وضعية وأوسلوية.

وتحمس كل من عقلي وقلبي ليردان على المحققين في سيناريو أبدعاه ليخففا ألمي: كيف ستجربون الرسوخ والايمان؟ وأنتم لم تجربوا الشك واليقين بقناعاتكم لمرة واحدة؟ بل حفظتموها من كثرة التلقين دون أن تفهموها وتناقشوها، وهذا عكس ما نتبادله انا وشقيقي وعائلتي منذ صغرنا..كيف ستؤمنون بأن رابط الذكرى والسعادة والثقة والحب الكبير أعظم من أي دين وحزب وجامعة.

السادة الجلادون: إن لعائلتي قصة عادية بدأت بالضبط منذ أن وثق والدي أني أستطيع الذهاب إلى الروضة في مخيم رفح وحدي وانا لا أتجاوز الثالثة من عمري، وكنت أول فرحته، وبالفعل مشيت من دار سيدي في بلوك “ان” عند سوق الشعرة، وحين وصلت مدرسة فاطمة الخطيب بدأت أتلفت حولي خائفة، وانا ارتدي مريول مطبوع بمربعات حمراء وزهرية، ولكني تابعت حتى وصلت روضة المسجد في البلد، ودخلتها بأمان… بعد سنين طويلة عرفت أن والدي كان يراقبني من بعيد عبر أزقة المخيم، وبعد تلك المرة كف عن ذلك لانه عرف أنني عرفت الطريق جيدا

وكنت احتاج فقط أنا ومصطفى وبقية ابنائه وبناته ان نعرف الطريق جيدا لننطلق بقوتنا العقلية وايماننا بذواتنا وثقافتنا مهما كانت فرادتها، وجوهرها بان ما تفعله خطأ هو ما تخفيه وما هو صح تفعله أمام الناس، وأن سلامك الداخلي لا يتناقض وسلامك الخارجي، وإلا سيكون هناك خلل في الرضا عن الذات..هذا ما نتسلح به بعد أن افترقنا نحن الابناء والبنات بين تونس ومصر وأوروبا بعضنا للدراسة والبعض الآخر للعمل والارتباط.

فكيف سيفهم هؤلاء يا مصطفى يا نزيل العتمة والزنزانة توازنك الروحي والعقلي من غير ان يمد أحدهم يده عليك طوال سنين عمرك بالضرب ليجبرك على الصلاة، أو يخدعك في طفولتك بالحلوى ورفع العلامات كي تداوم عليها؟.

في هذا البرد أتلحف ببطانية وأشرب الزنجيبل الساخن الذي يهدئ الأعصاب بعد عشرات من فناجين القهوة وانا أفكر بك يا ترى يا شقيقي الصغير -في نظري ستبقى دائما هذا الصغير رغم انك أكبر الذكور سنا في عائلتنا ولكني أكبر الاناث والذكور معاً-بماذا تتلحف بعد أن عرفت انك استعرت سترة أحدهم؟ وماذا تشرب بعدما علمت من صديقيّك انك لم تضع لقمة في حلقك، وأضربت عن أكلهم وشربهم؟.

أفرجوا عن  زملائك بعد الضرب والاهانة وتسليم أجهزتهم الهاتفية، والحواسيب الشخصية، ولكنك انت لم تسلم عقلك وقلبك الطيب أو أي شيء آخر، بل أعلنت علينا الكرامة، ورفضت ان تكون المستسلم للسجان، ولم توقع تعهدا ظالما وغير قانوني، وكان هذا  شرطهم الوحيد  كي تخرج، وقلت بالحرف أيها الهمام، كما أخبرني المحامي:” اقطعوا يدي ووقعوا بها ولكني لن أوقع”..

انه أمر بسيط يا شقيقي المصاب بالصداع النصفي -واتساءل اليوم كيف ينزاح عنك اذا كانت موسيقاك بعيدة عنك؟-، أمر هين جدا أن توقع تعهدهم وتخرج إلى حريتك الموهومة مثل ثلاثة أرباع نزلاء هذا الوطن الذين وقعوا تعهدات غريبة الطعم والشكل والرائحة، ولكنك قلت :” كيف أوقع؟ انه يعني الرضى والقبول بذل من أهانني وضربني ورفسني، وقذف أفراد عائلتي بالسوء”

عرفت أنك في الليلة التي بت فيها مع رفقاء الاعتصام في الزنزانة قد أمطرت لأول مرة في شتاء تأخر حد الفراق، فسمعت زخاته لكنك لم تشعر بها على جسدك، وسلا قلبك المطر بغناء “يُما مو ويل الهوى..يمى مويليه.. ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيه”، ويا تُرى الليلة وانت وحيد، دون رفقيّك أسعد بحماسته، ومحمد بجلادته، ماذا تغني في سرك؟، عرفت انكم بكيتم معا على اغنية “أحن إلى خبز أمي”، حتى إن مسجوناً في الزنزانة ذاتها على قضية جنائية بكى معكم حتى الثمالة….

والله يا مصطفى لو جاء سلفادور دالي لينظّر علينا حول سورياليته في غزة لما احتاج إلى الرسم ولا هدم الكلاسيكي منه، يكفيه فقط أن يعيش يومياتها… غزة جغرافيا الحلم السوريالي بكل حدته من ظلم وبسطار وبحر وحب، وطلقات.

كان بامكانك ان تغادر ولكنك لم تفعل واصريت على العشق الممنوع وهذه المرة بينك وبين غزة، بينك وبين الحرية بطريقتك وليس بطريقة مهند وسمر، وليس بطريقتهم كي تكون رجلا، فرجولتهم ليست هي رجولتنا…

مصطفى الغول شقيقي الرجل الشجاع، أنتظرك لنتبادل الكتب والعبارات الفيسبوكية ودَور القهوة، وأنتظرك لأغار من جديد وانت تقرأ بالإنجليزية وانا لا أزال اتلعثم في الصفحة الأولى، فأفرغ هذه الغيرة بلومك على اعارتك كتبي لأحدهم أو إحداهن دون علمي، ويبدأ غضبي الصريح فتخرسني بصراحة أكثر غضباً، ونهدأ إما مفترقين أو متناقشين حول غزة..السفر..الحب..التصوير..خوف والدتنا الأبدي..وأصدقائنا المشتركين..الاعتصامات..والتغيير..

ومؤخرا سيكون ناقشنا المفضل عن الظلم رغم أننا كنا ” انت وانا”  لا نزال نحمل براءة الأطفال حين لم نصدق سيوران بقوله: “يستطيع اي عابر سبيل أن ينافس الشيطان من الناحية التطبيقية اما من الناحية النظرية فالأمر مختلف تماما. ارتكاب الفظاعات وتصور الفظاعة فعلان لا يُختزل أحدهما في الآخر. ليس من نقطة مشتركة بين الكلبية المعيشة والكلبية التجريدية”..

عذابك أكد لي ولك أن شياطين الأرض أكثر ظلماً من شياطين السماء..

شقيقتك

أسماء الغول