Archive for 24 أبريل, 2011

الحقيقة وراء مقتل فكتور..!!

أبريل 24, 2011


أن يتم إرسال جثة عبد الرحمن بريزات عن طريق معبر بيت حانون “إيرز” الإسرائيلي إلى الأردن ويتم إرسال جثة المتضامن الايطالي فكتور عن طريق معبر رفح البري  إلى مصر ومن ثم إيطاليا حتى لا يمر عبر إسرائيل التي لم يعترف فكتور بها يوما ولم يطأ أرضها، إنما هو اختصار لتاريخ وهوية فكتور المناضل ولتاريخ وهوية بريزات الذي كان عميلاً لثلاث دول وهي إسرائيل وأمريكا والأردن، وكان بريزات قد أقام في عدة مدن أجنبية وأوروبية قبل أن يأتي إلى قطاع غزة مع قافلة جورج غالوي، وبحسب مصادر حكومية، فقد حاول البقاء في قطاع غزة حينها، لكن حكومة غزة لم تسمح له بذلك فغادر ثم رجع إلى قطاع غزة منذ عام عبر أحد الأنفاق مستخدماً هوية مزيفة باسم محمد حسان، وكانت الحجة التي يقولها لأهله حينئذ أنه  يعكف على دراسة الهندسة.

 وبما أنني لست من النوع الذي يؤمن بالمؤامرات خاصة لو كان من يحيكها إسرائيل لأننا اعتدنا أن نعلق على شماعة الاحتلال كل ما يحدث لنا من سيئات، لذلك لزمني الأمر أياماً طويلة وساعات أطول في البحث والتقصي والقراءة، والتحدث مع أصدقائه للإعتراف بيني وبين نفسي أولاً قبل أن أنشر هذه المادة أن وراء مقتل فكتور بالفعل مؤامرة معقدة.

 وتبدأ القصة من الجدل الذي تثيره شخصية فكتور نفسها، فهو محط فخر أهل قطاع غزة فقد كان على الدوام الابن الذي لم ينجبونه، خاصة للصيادين والفلاحين الذين كان يخرج معهم إلى المناطق الحدودية في البر والبحر، وكان بالنسبة إلى المنظمة التي يعمل بها ISM   بطلاً بامتياز كذلك كان بطلاً لكل يسار أوروبا الذي يقف مع غزة والفلسطينيين لفضح انتهاكات دولة إسرائيل، وكان الإيطالي فكتور بالذات الذي وصل إلى قطاع غزة عبر إحدى سفن التضامن رمزا لمحاربة دعاية اللوبي الصهيوني سواء عبر الأفلام الوثائقية التي شارك بها أو كتابه الذي أصدره عن حرب غزة وتمت ترجمته لأكثر من لغة أو مقالاته الدورية في صحف ايطالية، ولا نغفل عن ذكر إيمانه وحبه وإنسانيته التلقائية والتي تساوي بشرية بأكملها، فقد كان فكتور بكل تلك الصفات هو الشوكة في حلق الحكومتين الايطالية والإسرائيلية وخاصة اليمين الراديكالي المتطرف، والذي كشفت تسريبات ويكلكس أنه هدد فكتور قبل عامين.

كما نشرت الصحف الإيطالية قبل مقتل فكتور بأيام قليلة أن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو تحدث هاتفيا مع رئيس وزراء إيطاليا برلسكوني وكان الأخير قد وعده بأن يفعل كل ما يستطيعه لوقف سفينة الحرية التي كان من المفترض أن تصل لشواطئ غزة خلال شهر مايو القادم، وتعتبر إسرائيل العامل المثبت الوحيد لبرلسكوني الذي بدأت فضائحه الجنسية تهز عرشه السياسي، وهو بحاجة لدعم سياسي قوي، وفي الجانب الآخر برلسكوني هو الرئيس الأوروبي الوحيد  من الإتحاد الأوروبي الذي وعد نتنياهو بأن يوقف السفينة، لأن قدوم هذه السفينة في ذكرى الاعتداء على سفينة مرمرة أمراً محرجا لإسرائيل.

ويُعتبر اليسار الايطالي الذي يقف مع فلسطين الأقوى أوروبياً فقد جاء فكتور بسفينة قبل ثلاث سنوات وبقي حتى خلال الحرب على قطاع غزة، وساهم في قدوم كل سفينة، كما كان يساعد في تنسيق قدوم الأخيرة، الأمر الذي سبب إحراجا كبيرا للحكومة الايطالية.

ويبدو أن إسرائيل أحبت تحذير المتضامنين الأجانب وخاصة الايطالين منهم، فقد قامت في بداية العام الحالي مديرة إحدى المؤسسات الايطالية بزيارة احد المزارعين بخصوص تنفيذ مشروع يستفيد منه  مزارعو المناطق الحدودية، وكان بصحبتها فكتور وايطاليين آخرين وذلك في أرض المزارع على الحدود مع الخط الأخضر، وما هي إلا خمس دقائق بعد مغادرة المديرة حتى تلقت الأخيرة مكالمة هاتفية تخبرها بأن المزارع الذي إلتقته تم قتله برصاصة في قلبه من قبل الجنود الإسرائيليين، وكانت هذه أولى الرسائل للمتضامنين، ولكن إسرائيل احتاجت خطة مدبر ودقيقة أكثر وقوية بحيث تنجح في وقف حدث عالمي ضخم مثل سفينة الحرية، خاصة بعد أن أعطى برلسكوني الضوء الأخضر لنتنياهو،  ولم يكونوا يريدون فضيحة علنية تشبه ما حدث للمتضامنة الأمريكية ريشيل كوري حين دهسها سائق البلدوزر الاسرائيلي في مخيم رفح عام 2003، وكان مقتل فكتور هي الخطة التي اصطادت عدة عصافير بحجر واحد، فقد أربكت حدث سفينة الحرية، وأجلته، ونجحت في ضرب حكومة غزة مع السلفيين، وقتلت أكبر رموز التضامن مع غزة ألا وهو فكتور، وهدمت سمعة غزة التي كانت رمزا للأمن والأمان للمتضامين وحتى للدبلوماسيين الأجانب، بل وهدمت سمعة فلسطين في سلسلة حوادث غريبة استهدفت إنسانية فلسطين كمكان ومواطنين، واستخدمت اسرائيل في هذه الحوادث أيدي عربية وفلسطينية ولكن لتحقيق نوايا إسرائيلية، وهنا أقصد مقتل المخرج الفلسطيني في مخيم جنين جوليانو خميس، ومن ثم مقتل المتضامن فكتور، ولا ننسى وقوع حادث تفجير القدس الغامض والذي لم يعلن عنه أحد حتى هذه اللحظة.

والذي يعرفني ويعرف مقالاتي متأكد من أنني آخر واحدة قد تدافع عن حكومتي فتح وحماس بل إنني اعتبر أننا ضحايا لهما بشكل أو آخر، ولكني هذه المرة أرى أن حكومة غزة بريئة تماماً كحكومة وحركة من دم فكتور، وما حدث لفكتور لم يأت نتيجة قرار سري أو علني في الحكومة أو حركة حماس، رغم التقارير التي تحاول تسريبها بعض المصادر للتشكيك في الحكومة، فأي واحد منا يعرف أن مقتل أجنبي في قطاع غزة لن يدفع ثمنه سوى الحكومة نفسها، كما أن أية حكومة لديها شكوك في المتضامنين الأجانب على أرضها مهما كانت طبيعة التهم التي قد تكون موجهة إليهم فإن أقصى شيء ستفعله هو اعتقالهم والتحقيق معهم كما حدث مع الصحافي البريطاني بول مارتن في فبراير من العام الماضي، أو إذا خافت على أمنهم فستطلب منهم الخروج كما حدث سابقا مع الصحافية عميرة هاس.

  وفي رأيي ورأي العديد من المتابعين أن سرعة التصرف العالية والحاسمة تجاه المتهمين واستجابة الأجهزة الأمنية للغضب الشعبي وغضب الشق السياسي في حكومة غزة والذي طالب هذه الأجهزة بعدم التهاون أمام الحدث يؤكد ما قاله أحد القادة العسكريين في حركة حماس لإحدى وكالات الأنباء  العالمية أنهم مصدومون تماما بحادثة مقتل فكتور وأن ما حدث يشكل لكمة في وجه حكومة حماس بشقيها العسكري والسياسي فهي لم تكن على علم أبدا بنوايا المتهمين، كما أن مستويات التهديد الأمنية والتحذيرات باستهداف أجانب كانت قبل اختطاف فكتور نائمة تماما، فعادة في حال ارتفاع مستوى التهديد الأمني  يتم إبلاغ الحكومة التي تعمل على إعلام الجهات المعنية لتحذير الأجانب.

وفي نفس الوقت لا أرى أن كل هذه المعطيات تبرئ حكومة غزة تماماً، وذلك بسبب عدد من الإشكاليات أولها: التشدد الذي بدأ يتصاعد مؤخرا والعنف الذي واجهت حكومة غزة الشق العلماني الليبرالي واليساري  في قطاع غزة من مؤسسات ورموز ومبادرات شبابية، مع إغماض العيون أمام نشوء الجماعات الإسلامية المتزمتة في قطاع غزة وإعطائها الأمان طالما أنها تحمل لواء الاسلام، بل سمحت حتى بوجود قيادات سلفية في القطاع قادمة من الخارج في حين كانت الحكومة ذاتها طاردة لقيادات ليبرالية أخرى.

والإشكالية الأخرى التي تتحمل حكومة غزة مسؤوليتها هو السكوت عن الانشقاقات العسكرية داخل صفوفها وهي انشقاقات تعبر عن تزمت ديني وسياسي وعنف سلوكي ما أدى لانتماء أعضاء من الشرطة لجماعات متزمتة، الأمر الذي جعل وزارة الداخلية حين أعلنت عن جائزة لامساك المتهمين على صفحة وزارة الداخلية أن تعلنها لرجالها في سلك الشرطة الأمر الذي يدل على فقدان السيطرة وعدم التيقن من العناصر المخلصة لها والعناصر المخلصة لمجموعات سلفية ومتزمتة منشقة داخلها.

وقد سمحت هاتان الإشكاليتان لعميل دولي غير سهل -رغم صغر سنه- مثل البريزات استغلال نقاط الضعف هذه بحكم قربه وعمله في إحدى الجمعيات الإسلامية التي ترعاها حماس، وتذكيته لهاتين الإشكاليتين عبر استعطاف كل من المتهميّن الآخريّن لخطف فكتور وهما محمود السلفيتي وبلال العمري بإستخدام قضية السلفية الجهادية، واللعب على وتر اعتقال الشيخ هشام السعيدني “أبو وليد المقدسي” لدى حكومة غزة، ومن ثم تشويه سمعة فكتور لدى هؤلاء العناصر وليس بشكل اعتباطي بل بشكل مقصود وممتد خاصة في الفترة الأخيرة بأن فكتور” لديه أجندات تخدم حكومات خارجية ويفسد أهالي القطاع”، الأمر الذي يؤكد أن خطف فكتور مقصود وجاء بعد رصد ومتابعة، ولم يكن الهدف أبدا هو اختطاف أي متضامن أجنبي.

وكانت خطة بريزات التي نفذها كالتالي: استغلال محمود السلفيني الذي يعمل لدى الدفاع المدني الكائن مقابل شقة فكتور عند ميناء غزة، حيث كان السلفيتي صديق لفكتور واستدرجه لخطفه وقد رأته إحدى الأجنبيات يتحدث إلى فكتور في ذلك الوقت في الشارع بعد قدوم الأخير من رفح حيث كان في عزاء شباب قتلوا ضحية للعمل في الأنفاق، وكان في طريقه إلى النادي الرياضي حين بلّغ السلفيتي الخلية عن تحركاته، -وفي العموم من ملاحظاتي عن فكتور أنه  كان لا يرى خوفا من التعامل مع عناصر الشرطة، وأفراد الأمن بل على العكس، فقد كان صديقا للعديد منهم-، وتمت عملية الاستدراج بالفعل، وتم قتل فكتور بمجرد وصول الخلية بصحبة فكتور إلى الشقة، أما الفيديو الذي تم تصويره ونشره في ليلة اختطاف فكتور فقد كان بعد مقتله، لأن فكتور كان ميتاً خلال تصوير الفيديو، فكما قال أحد الأطباء الايطاليين بمجرد رؤيته للفيديو: أن فكتور ميتاً في الفيديو الذي أعطوا فيه مهلة 30 ساعة للحكومة، موضحا أن حركة فكه في الفيديو هي حركة طبيعية تستمر لفترة كردة فعل في حال مات الشخص مشنوقاً، وهو ما أكده الطبيب الشرعي في قطاع غزة بأن فكتور تم قتله خنقاً بحبل أو قطعة بلاستيك، إضافة إلى أن رأسه يكاد يقع خلال أقل من ثانية أثناء الفيديو لأنه ميت أصلا وأن إمساك رأسه في الفيديو كان حتى لا يقع ويظهر موته، وكذلك تغطية عينيه، ورقبته كي لا تظهر علامات خنقه، ويرى الطبيب أن تكرار اللقطة وحركة الكاميرا هي التي تعطي انطباعا انه ليس ميتا ولكن هذا ليس صحيحا.

وحول إذا ما كان الفيديو ينتمي بالفعل إلى حركة سلفية فهذا أمر مستبعد تماما، فهو مفبرك، رغم أن الفيديو تبنى قضية اعتقال السعيدني ومبادلته بفكتور، ووضع علم الجماعة السلفية وذلك لعدة أسباب: حين نرى حديث السعيدني مع المتهمين أثناء هجوم الأجهزة الأمنية على المنزل الذي تحاصروا به قبل أيام قليلة نرى أنه يوجه إليهم حديثا عاما لا يدل على أنه يعرفهم بل يطمئنهم أن أموره خلصت وسيخرج وأنهم يجب أن يسلموا أنفسهم، فكما هو واضح أنه يتكلم إلى أشخاص قد يكونون أخلصوا لفكرته ولا يتكلم مع أعضاء من جماعته بالتحديد، إضافة إلى أن الفيديو لا ينتمي بالمطلق لنوعية فيديوهات القاعدة أو الجماعات السلفية المتعارف عليها، لأن تلك الفيديوهات ذات تقاليد معينة في تلاوة مقدمة وأدعية قبل أن يتم عرض الرهينة التي غالبا نراها تتحرك وتتكلم ولا يمسك رأسها أحدا كي يعطي انطباع أنها على قيد الحياة، كما تمتاز فيديوهاتهم بتكنولوجيا عالية، في حين أن هذا الفيديو قصير جدا وغير متقن، وليس فيه أي صوت فقد تم تركيب أغنية، ما يؤكد أنه فيديو مفبرك قصد منه العقل المدبر بريزات أن يتم نسبه للجماعات السلفية التي نفت لاحقاً أن يكون لها علاقة بالأمر جملة وتفصيلاً عبر مؤتمر صحافي وفي فيديو بثته، كما أنهم شاركوا في خيمة عزاء فكتور.

شيء آخر مهم يجب ذكره أنه بحسب تحقيقات أمنية في غزة فقد حدث جدل حول قتل فكتور بين المتهمين في الشقة التي تقع في حي الكرامة في شمال قطاع غزة، فلم يكن كل من العمري والسلفيتي يرغبان في قتله، ولكن بريزات أصر على قتله بحجة أنه كافر ومخرب، ولم يكن يعرف أيا من شركائه أن بريزات خطف فكتور لأنه يريد قتله، أو بسبب أوامر جاءته من الخارج .

إذن بريزات استخدم الانشقاقات المتعصبة داخل الجانب العسكري في حركة حماس ليشوه سمعة فكتور، وروج “لنقاء قضية هشام السعيديني وان حكومة غزة كافرة وانحرفت عن الصواب” وذلك كي يقنع بلال العمري والسلفيتي بعدالة اختطاف فكتور على أن يعطوا مدة لفك سراح السعيدني ولكن ما استغربوه هو قتل البريزات لفكتور من أول ساعة لاعتقاله، ومن ثم الهروب على أمل أن يخرج من الأنفاق كما دخل منها، ولكن غضب حكومة غزة وسرعة تصرفها جعل خطته غير مكتملة إذ علق في القطاع، ومن ثم كانت المواجهة المسلحة التي اسفرت عن مقتل العمري وبريزات وسواء الأجهزة الأمنية قتلت البريزات أو هو أطلق النار على نفسه -حسب شهود عيان هناك ثلاث طلقات في صدره وأخرى في حلقه-، ففي النهاية إن الأمر سواء وليس من مصلحة حماس إبقائه في قطاع غزة لأنه سيتم المطالبة به دوليا لعدد من الجهات، وهذا ما حدث مع جثمانه حين طلبت الخارجية الأردنية استرداده عبر معبر ايرز، وهو الأمر الغريب فلو كان بيرزات بالفعل مطلوبا لدى حكومة الأردن بسبب أفكاره الإسلامية المستقلة كما يقول والده فلماذا يطالبون به، ويستقتل الإعلام الرسمي الأردني لبث مقابلات مع عائلته، الأمر الذي يدل على  مدى قرب بريزات من حكومة الأردن، وكان الحل إما أن يقتل نفسه وهو ما قد يفعله أي عميل يريد أن يخفي أسراره، أو تقتله الحكومة كي تتخلص من شخص مزروع على أرضها قد يأتي لها اعتقاله بصداع لن ينتهي، ولكنه الأمر الذي أستبعده فقد كان من الممكن أن تقتله الأجهزة الأمنية منذ اقتحمت المنزل الذي تحصنوا به في النصيرات بوسط قطاع غزة، فلم يكن مع البريزات وزملائه سوى مسدسين وقنابل لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، واستخدم البريزات واحدة منها ليصيب بلال العمري بعد أن سلم السلفيتي نفسه.

إذن اتفاق نتتياهو وبرلسكوني، للتخلص من الطابع الإنساني لحصار غزة، والتضامن الدولي مع فلسطين وتشويه سمعة الإنسان فيها جاء عبر حادثة قتل فكتور التي أصابت القضية الفلسطينية بالصميم، كما أن جميع أصدقاء فكتور كانوا يعرفون أن فكتور قد حجز للسفر عبر معبر رفح البري يوم 28-3-2011، ولكنه بقي يؤجل حتى ينتهي من بعض مهامه الإنسانية، وكان على وشك أن يخرج في الأسبوع ذاته الذي قتل فيه  متوجها إلى ايطاليا وهو بالفعل ما حدث لكن وهو داخل كفنه، فلماذا جهة محلية كانت ستقتل متضامنا كان في طريقه للمغادرة، في حين أن استعدادات يسار أوروبا لاستقباله ومساهمته في إرسال سفينة الحرية هو الذي يثير الشكوك أمام مؤامرة دولية لقتله؟!.

ويجب ألا أنسى ذكر أن فكتور كان مرعوبا من قصة وعود برلسكوني لنتنياهو لدرجة أنه سأل أحد أصدقائه الفلسطينيين المقربين له في جلسة بالجاليري بغزة بعد حيرة كبيرة :”ممكن عبر السلفيين؟”، ومن الطبيعي أن أستفسر من هذا الصديق حول قلق فكتور الذي ساوره في آخر أيامه إذا ما قام أحد السلفيين بتوجيه تهديدا له؟، لكن الصديق أكد أنه لو حدث ذلك لشكى إليه فكتور الأمر.

وفي رأيي أنه بالفعل كانت هناك تهديدات وصلت فكتور لكن ليست محلية بل هي دولية، فقد قام فكتور بتحويل حسابيّه على الفيس بوك لأحد أصدقائه في ايطاليا، وذلك يوم 9-4-2011والذي كتب له قبل موت فكتور على الوول الخاص به، أن حسابيك على الفيس بوك في أيدي أمينة.

أنا هنا أكتب ما توصلت إليه بعد أيام عديدة من التحليل والقلق الأمر الذي كاد يصيبني بجلطة في محاولة أن أضع كل قطعة من قطع  البازلت في مكانها لتكتمل الصورة، ولا أدري ما الذي سيتم الإعلان عنه في التحقيقات التي من المفترض أن تعلن عنها الأجهزة الأمنية في حكومة غزة عن قريب، كما لا أدري في حال تم إيجاد اللاب توب المفقود الذي يملكه فكتور سيضيف شيئاً جديداً لهذه التحقيقات أم لا؟، ولكن إنني أضع بين أيديكم حقيقة مقتل فكتور كما أراها بعد مقابلات مع أصدقاء لفكتور ايطاليين ومنهم محامين وأطباء، إضافة إلى عدة مقالات أجنبية ومقابلات مع شهود عيان وأعضاء من جماعات إسلامية.

في حال كان عندكم جديدا اكتبوه لي..

ملاحظة:  حقوق المعلومات التي وردت في المادة محفوظة لي ولمدونتي، ومن يريد إعادة النشر أرجو ان يضع اسمي ولنك المدونة.

محبتي

أسماء الغول-غزة

24-4-2011

أنت كثير علينا يا فكتور!!

أبريل 15, 2011

لا يستطيع أحد أن يرد الحزن ويسحبه إلى الخلف فما بالكم حين يكون هذا الحزن مصيبة؟! ..إن موت الصديق والمتضامن فكتور وبهذه الطريقة المفجعة وبأيدٍ فلسطينية هو عار علينا وعلى غزة وعلى فلسطين وعلى كل المسلمين والوطنين.

 فكتور اختار أن يكون فلسطينيا أكثر منا جميعا وأصيب حين ذهب مع صيادي غزة إلى عرض البحر عدة المرات كي يبعد عنهم النيران الاسرائيلية، وأذكر أني ذهبت معه مرة واحدة إلى حدود خانيونس على الخط الأخضر كي يساعد الفلاحين في جني القمح بسلام، ولم أستطع أن أنافس فكتور في قوته حين واجه نيران الاحتلال يومها، فقد كان أشجع منا بمراحل: يقترب من الحدود بصدره في حين نهرب نحن، كذلك لم يغادر غزة أثناء الحرب بل كتب كتابا عن تجربته حارب فيه  دعاية اللوبي الصهيوني في أوروبا الذي شن بدوره  حربا اعلامية على  فكتور وعلى كل من يماثله من يساري أوروبا المتضامنين مع غزة والذين يدافعون عنا بعاطفة أنقى من عاطفتنا المكررة والمشوهة ..

في كل مرة كان يصل إلى أسماع فكتور أخبار عن  تهديدات الجماعات المتطرفة للأجانب..يقول بالعربي المكسر: “لا خبيبي..هادي غزة…” وبالفعل كان على ذراعه اليمنى من باطنها وشم كلمة مقاومة باللغة العربية، وكان من الصعب أن يفهم انسان طيب القلب مثل فكتور كيف يمكن لغزة ان تصبح غولا ووحشا ظالما ينفي كل من يخالفه الرأي  ..

أيها العزيز فكتور الذي تضامن معي ومع شقيقي مصطفى أثناء اعتقالنا وضربنا ومع كل شباب 15 آذار بنفس الدرجة التي تضامن بها مع الفلاحين على الحدود ومع المقاومين والصيادين، كنت أتمنى أن أرد لك الجميل..لكنهم لم يمهلونا يا عزيزي . ولم يمهلوا أياً  من أصدقائنا كي نحبك كما تستحق..بل على العكس كنا قضينا الوقت بالشجار معك حينا وحينا بالضحك والتفرج على المباريات في جاليري غزة..وغالباً في المظاهرات أو على الحدود..

أقول لك اليوم أنك كنت كثيرا علينا ..لا نستحقك ولا تستحقك فلسطين ولا تستحقك غزة..وقفت معنا فقتلناك ..آمنت بنا فكفرنا بك.. دافعت عنا فشنقناك ..

كأني أيها المغدور به أرى لحظات خطفك وموتك..أسمع صوت عذابك وأنت تشرح لخاطفيك بسعة صدرك وحبك الكبير أنك لست مثلما يعتقدون..أسمع لثغ حروفك العربية وأنت تحبهم وهم يمعنون في قتلك ..وأرى الفزع في عينيك حين تأكدت أنت أنهم ليس مثلنا وأنهم مجموعة طارئة غريبة مجرمة هي ليست منا..لحظتها أصابك الرعب وارتفعت حرارة قلبك وتقطعت أنفاسك لأنك أيقنت أنها اللحظات الأخيرة..

كل شيء في المدينة ينعاك يا فكتور ..كل شيء يفتقدك..أنا والصيادون والمزارعون والمتضامنون والأصدقاء والمقاومون وكل حارس بناية أو رجل شرطة اعتدت أن تمر به وتسلم عليه بحرارة..

أريد أن أفهم : جسدك الضخم كيف خطفوه؟، هل كانوا جماعة؟..هل هددوك بالسلاح؟ هل كنت تعرفهم فذهبت معهم باطمئنان؟..كيف نقلوك إلى شقة في الكرامة بشمال غزة ولم يشعر أحدٌ بك ؟..انهم لم يأخذوك كي يبادلوك بالأسرى السلفيين أبدا..بل ينوون قتلك منذ البداية، لأنهم لم ينتظروا كي تبدأ مفاوضات..

هؤلاء يا فكتور هم جزء من الصورة الأصولية التي بدأت تتشكل في قطاع غزة ليصبح القطاع منبعا جديدا للتطرف والجماعات الاسلامية برعاية حكومة ثيوقراطية ..فالأول مرة في تاريخ الشعب الفلسطيني وقضيته يُقتل متضامنٌ أجنبي غريب يحتمي بعهدتنا ويثق بنا ويعتبرنا أهله ووطنه..قبل ذلك كان يحدث الخطف للأجانب كجزء من عملية انفلات أمني منظمة ولكنها ساعات ويطلقون الأجنبي لأنهم يعرفون أن الدم مجراه واحد ألا وهو فلسطين، ولكن كيف وصلنا إلى هذه الحال؟ كيف أصبح مجرانا فلسطين، والبعض مجراه الدولة الاسلامية والخلافة ..يريدون فلسطين كما يريدونها فقط .. وبالتالي يصبح فكتور وكل المتضامنين الاجانب وأي فلسطيني لا يشبههم من المفسدين لهذه الصورة الأصولية الجديدة التي تنبذ حتى فكرة الوطن نفسها .

اذا كان من يحكم غزة نفسها يجرم ويضرب ويطعن المبدعين من الشباب والفتيات ويهددهم ويدوس عليهم بالأحذية ويعتبر أنهم لا يظهرون غزة الاسلامية كما ينبغي، فيمنع هذا الحكم كل مظاهر الحياة الطبيعية من روايات وموسيقى وفرق راب ويمنعون الاعتصامات الوطنية، ويتذمرون من المتضامنين الأجانب ويعتبرونهم عملاء لأجندات خارجية..فماذا نتوقع من جنون الجماعات المتطرفة؟ وإذا كان هذا حكم غزة قكيف ستكون تفريخاتها وانشقاقاتها ..هل سيكونون ليبرالين أم علمانيين؟ لا، بل مجرمين أصوليين وقتلة يشرعون كل عنف باسم الدين والفضيلة حتى لو كان الثمن قتل أبرياء ممن قد يختلفون معهم في العقيدة والرأي..

 ..قبل أسبوع رأيتُ كيف نشر أحد المواقع السلفية الشهيرة دعوة لكل شباب السلفية في غزة لتنظيم أي شيء يكسر حكومة حماس، إذن  إن الامر أصبح قتالا وانتقاما بين جماعات اسلامية واحزاب دينية بعضها ببعض..ألا يكفي ما في غزة من أحزاب وتيارات وطنية كي نبتلي بهؤلاء؟ .. فمن أوصلنا إلى هذه الحال من التشتت وتدمير المشروع الوطني والتركيز على أن يكون مشروعا اسلاميا قبل أن يكون وطنيا وقوميا..أليس هذا ما أوصلنا إليه الخطاب الرسمي والديني والاعلامي  السائد؟ وتكون النتيجة أن فكتور هو الضحية الأولى ” لأنه  أجنبي من بلاد الكفار ويشوه وجه غزة الاسلامي”…

أيتها الحكومة العتيدة في غزة نريد أن نعرف الحقيقة وكل التفاصيل، نريد أن نعرف كيف مات فكتور؟..حينا تقولون أنكم وجدتموه داخل شقة فارغة في حي الكرامة ..وحينا ملقيا في شارع الصفطاوي ..لكن شهود عيان من المنطقة يقولون أن هذا غير صحيح وان هناك مداهمة حدثت وسمع دوي اطلاق نار..نريد أن نعرف كيف مات فكتور؟ حقنا عليكم أن نعرف، وحق كل أوروبي يدعم غزة أن يعرف..قولوا لنا ما حدث لفكتور بالضبط ؟وكيف؟ ولماذا ؟وأين؟ ومن؟ ..فكتور الذي ترك والده المريض في ايطاليا وجاء ليتضامن معنا ..قولوا لنا ما حدث كما حدث بالضبط دون تخفيف وتزويق كي تحافظون على وهم أنها مدينة أمن وأمان ..

ألستم أنتم من تحكمون البلد بالحديد والنار ؟، ولا تفوتكم شاردة أو واردة..اذن كيف خرج هذا الأمر عن أيديكم وأعينكم وسيطرتكم ؟ كيف..؟ هل كنت تتسترون على الجماعات المتطرفة لتحموا سمعة غزة بأنها ليست بلداً إرهابياً..؟ هل العنف الذي عالجتم به مصير هذه الجماعات المتطرفة منذ عامين هو الذي زاد من حدة وانتقام هذه الجماعات؟..ألا يوجد حلاً آخرا ..ألا يوجد تفاهما دون عنف ودون تستر على وجودهم..كي لا يكون ما حدث لفكتور هو المتوقع في مدينة تختنق بالموت والتطرف ..

أموت هنا من العار الذي يأبى أن يتخلى عنا..كل يوم تصبح فلسطين هما على هم ولم تعد فخرا على فخر..كل يوم تصبح المقاومة نافذة على الظلام والتخبط والجهل والأحكام المطلقة ..

قُبض قلبي حين استقيظت في الصباح على رسائل للمشاركة في وقفة احتجاجية وما هي إلا لحظات حتى فهمت..يا للهول ..يا للفضيحة..يا للتاريخ الجديد الذي يسطره الفلسطنيون ويُسَطر لهم ..لم يعد يهمنا ويهم تاريخنا منذ الآن وصاعداً سوى من هو المسلم والسني والسلفي والمسيحي والعلماني ..

أين أنت يا فلسطين ؟ أين أنت يا فكتور؟ أين أنت يا الله؟.

أنتظر حزنكم

أسماء الغول

القاهرة

15-4-2011

السيزر سلاط في بلغراد مذاقها يشبه غزة!!

أبريل 8, 2011

لا أستطيع مع هذه المشاعر التي تجتاحني من الالم والخوف على أسرتي وابني في قطاع غزة سوى الحقد والحقد الشديد جدا على كل أشكال الامبريالية والكولنيالية والرأسمالية وحتى الشيوعية الزائلة بما أني أتكلم  الآن من صربيا..أنظر إلى الناس حولي وأتعجب كيف يضحكون؟، كيف يأكلون؟، كيف لأيامهم أيام ولساعاتهم ساعات دون قبضة بالقلب؟..أولئك السياح الأمريكان يأكلون الكافيار ويتحدثون إلى بعضهم بحماس، وأستغرب كيف يجدون الحماسة في ذلك العمر الكبير للحديث الى بعضهم البعض، وأنا تنقصني الحماسة هنا حتى أن آخذ نفسي..كيف يعيشون كل تلك العادية من تفاصيل الحياة في حين أنني لا أجد للعادية مطرحا على جغرافيتي .. أنا التي كنت أدرب أطفال من عائلة قديح بتفرعاتها في خانيونس على كتابة قصصهم الذاتية في الحرب حتى يتخلصوا من الخوف ..كيف سيسامحوني وهم يرون صديقتهم تموت مع أمها، فقد كنت أجعلهم يكتبون وكأنها آخر حرب وآخر موت وآخر عدوان..كيف سيصدقون القلم والكتاب بعد اليوم..؟!

أحقد على كل هؤلاء ممن حولي: ذلك الجرسون الذي أخبرني أني تأخرت دقيقة على العشاء المقرر لمشاركين المؤتمر، لذلك لا يستطيع أن يقدمه لي، وحين قلت أن هذا ليس عدلا أشفق علي وقبِل أن يأتي لي بسلطة..كنت أريد أن أهدد وأزعبر وأقدم شكوى ولكني أخرست داخلي وقلت في عقلي: ولكن ما ذنبه وهو العبد للرأسمالية الخانقة هذه التي تجعل فندقا بهذه الفخامة يرمي ما تبقى من طعامه في حين أن المتشردين على الرصيف المقابل له يتلوعون جوعا وبردا..ألا يكفي أن التدخين ممنوع في الغرف؟..هل يلزمه كل تلك العنطزة ليكون فندق خمسة نجوم…أم أن الصحة أصبحت من سمات الاشرار وعديمي القلب..والتدخين وتدمير الذات  من سمات الأخيار؟!!..

لا أدري اذا كنت على حق..ولكني أكتب تحت سيطرة مشاعر يقودها الخوف على ابني: أتخيل أن صاروخا اسرائيليا اصاب بالخطأ السيارة التي يستقلها وهو ذاهب الى المدرسة..او جدارا وقع على شقيقتي آخر العنقود وهي ذاهبة الى حصصها، كما حدث مع طفل من عائلة الحايك حين وجدوه أهله أول ليلة خلال الحرب  تحت جدار مبنى الامن الوقائي..

يا الله كم أحقد على السعادة والسعداء..يا الله كيف كل هؤلاء الشباب هنا يملأهم شعور بالانتصار وهم ينجحون بالدخول إلى حفل موسيقي من ضمن فقرات المؤتمر الذي يجمع بين السوشيال ميديا والموسيقى، وانا التي معها تذكرة دائمة لدخول جميع الفقرات ..أهرب منها..عشرات الشباب بل مئات من الشابات والشباب يرتدون أجمل الملابس والألوان ويبدون بأجمل ابتسامة يتجهون إلى قاعة  المسرح..وانا وحدي أسير بالاتجاه المعاكس أحاول أن أحمي نفسي من الالم والبرد باحثة عن حفنة سعادة، لاتوجه إلى بائع ورد غجري فيبدو أن الغجر هنا يتقلدون الوظائف الفقيرة، انها ورود بيضاء جميلة، تبدو أنها من فصيلة الياسمين وحين هممت بشرائها وجدت انها غالية، فقررت تركها.. ولكن بعد قليل فكرت انه ثمن بخس لأمنح نفسي وغرفة الفندق الكئيبة بعض فرح..فاشتريتها..ومشيت بها وانا ارى الناس تنظر إلي باستغراب..فعرفت انهم يظنوني غجرية تبيع الورد خاصة مع شعري الذي ينكشه الهواء..واذا كان بعض الظن إثم فان أغلبه أجمله، لأني أشتاق  للشعور بالحرية عميقا كما يفعل الغجر..حرية أصيلة متأصلة..ليست منحة او غصبا أو قربانا أو زيفا..حرية تشبه الحرية..

هدوء الشوارع وجمالها  لم يبعد قلبي وعقلي عن مدينة بعيدة.. مدينة منسية، لا احد يعرفها الا في الاخبار الحزينة..مدينة لا يتطلع إليها أحد..ومع كل ذلك القدر القاسي إلا أن أهلها يذبحون بعضهم قبل أن يذبحهم الاحتلال ..أفقت من ذكرياتي على صوت الجرسون يعرض علي أن يأتي لي بالسيزر سلاط مع الدجاج وتمتلئ عيناه بالذنب لأنه لا يستطيع أن يقدم لي أكثر، وكنت أنا قد قررت أن أذوق في كل بلد السيزر سلاط بالتشكين..وفي الحقيقة لم أجد أطيب من التي يعدها مقهى مزاج في الرمال بغزة..ففي صربيا -كما اكتشفت لاحقا -الصوص ثقيلة  وفي مصر خفيفة جدا وفي تركيا ليس لها علاقة بالسيزر، وفي الدنمارك جيدة لكنها مملة..انظروا لي انا الأخرى ما أسخفني: إنني اتكلم عن مذاقات السيزر سلاط..هل بالفعل تحولنا الامبريالية الحديثة دون أن ندري لمستهلكين سلبيين؟ أخذت آكلها وشعرت بها  احجار وقفت في حلقي ومعدتي، ولكنها على الاقل تأخذني الى مذاقك يا غزة..إن الاشياء التي نحبها حين تكون فيك يا غزة لها مذاق مختلف وأكثر سعادة ..وأجمل ..كم أتمنى أن أرى فيك كل ما أراه في بلدان العالم لأنك تستحقين الاجمل والاعظم والأنقى فأنت البلد الذي تعذب بما يكفي لينال استراحة محارب في الارض..وليس فقط في السماء..

ما هذا العذاب الذي يتنقل به الانسان الفلسطيني في داخله اينما حل.. إما لأسباب يصنعها بنفسه كنفي من يخالفه الرأي وأحيانا قتله كما حدث مع المخرج جوليانو خميس الذي سيبقى مقتله عار على جبين كل فلسطيني فينا .. او لاسباب الحرب والاحتلال التي نشهدها الآن ..

أشعر اني مراهقة في الثلاثين من عمري..”يعني اقتربت من الثلاثين “..ففي خضم مشاعري الغاضبة هذه حذفت اربعة من اصدقائي على الفيس بوك وسكايب..وتشاجرت مع أحد مريدي التكنلوجيا المجانين الذين يحضرون  معي مؤتمرا اكثر جنونا -ولكنه  مؤتمر عبقري في دقته ومواضيعه-، فقد قمت بسحب “فيشته” من المحول الرئيسي وزمجرت غاضبة وهو مندهش وغادرت كأني في فيلم هندي..لكني سرعان ما رجعت إليه اعتذر جارة اذيال الندم،  فما كان منه الا ان مد يده للسلام مبديا تفهما كبيرا ..اذن هنا الناس رائعين ولكني أنا الغبية التي لا ترى في غضبها سوى غضبها..غضب ينصب في معظمه على الأمريكان .. لا ادري ما السر في هذا رغم انني احببت امريكا التي زرتها مرتين..مثلا اليوم كان سام جراهام يعرض مختصرا عن حملته Yes We Can التي صاحبت ترشح أوباما للرئاسة، وتحدث جراهام عن قصص الحلم الامريكي ومعجزات المشاعر الانسانية  الأمر الذي جعلني اشعر اني سأستفرغ من تكرار الكليشهات..مصراُ أن لون أوباما معجزة أو أن أوباما المعجزة إلى لونه ..فلا فرق..لأن الموضوع انتهى و”بانت سعاد”….

وبما أني أحدثكم عن اللون ..يجب أن تعرفوا أن اللون في صربيا  مهم مثلما هو عندنا تماماً لكن الفرق ..في صربيا البياض طافح..وحين قال صديقنا مغني هيب هوب أفريقي من زمبابوي انه يشعر بالعزلة في صربيا سخرت منه بصوت مرتفع وقلت له يجب ان يتخلص من احساسه بالعزلة داخله ومن العنصرية في قلبه أولا قبل أن يطالب الناس بذلك….ولم أكن أحتاج أكثر من أن امشي معه لأقل من ثلاث دقائق في شوارع بلغراد لاكتشف كم هو على حق..فلم يتركنا مار او مارة بحالنا وهم ينظرون اليه باستغراب شديد الامر الذي ذكرني بصديقتي الجنوب افريقية “كيتسو” حين كنا في منحة أدبية في جنوب كوريا وأخذ الكل يضايقها الى درجة انها بدأت تغضب وصرخت في وجه كل من ينظر إليها إذا كان يريد أن يتصور معها في حال يراها حيوانا مختلفا!!

 أن آخذ الفيزا إلى صربيا كان أمرا شبه مستحيل ولكني اخذتها لان الصرب يحبون الفلسطينيين هذا ما سمعته اقتباسا عن موظف وزارة الداخلية الصربي الذي عجل بفيزتي..وبالفعل حين وصلت إلى بلغراد وجدت ان معظم الصربيين يحبون الفلسطينيين..ونجاح حصولي على الفيزا ثم سفري دون منغصات جعل فرحتي كبيرة ولم أفق منها إلا بعد حادثة فيزيائية وليست روحانية هذه المرة، وذلك حين اردت تعويض الحرمان الذي يزداد بالتقادم  في غزة وهو الركض في شوارعها صباحا، ففعلت ذلك  في شوارع بلجراد الجميلة لأجد نفسي أتدحرج على منحدر إحدى الهضبات الصغيرة، وأصبت في ركبتيّ وذقني وكفيّ..ووقفت بالطبع بسرعة وانا أتألم وأمسكت تلابيب الحزن منذ لحظتها  قلبي..ليس لاني تشوهت :>  بل لاني اخذت اقارن بين هذه الرضوض التي هي رضوض حرية ورضوض أخرى اصابتني في 15 مارس و 31-يناير،  وهي رضوض الاستعباد..الذي يجب ان نتخلص منه داخلنا قبل ان نحرر منه  خارجنا ..

ولن اكمل لكم حزني تحت غيوم سماء بلجراد الملبدة..فقد انهال علي بعض فرح الان وسأنقله لكم: وصلتني رسالة من والدي يقول فيها التالي..-وطبعا قبل أن أفتحها تخيلت فيها أسوأ المصائب- : “احنا تمام والوضع متوتر والقصف بعيد وعمر قطامش فاز”..

أنتظركم..علّنا نتعلم يوماً كيف نفرح.!!

محبتي

أسماء الغول

بلجراد

8-4-2011