Archive for 8 يونيو, 2011

بين القاهرة والاسكندرية: يوميات هروب من الذات إلى الذات1

يونيو 8, 2011

حين أردت أن أكمل مجموعتي القصصية التي اشتغل عليها حاليا، أردت الذهاب بعيدا قليلاً عن غزة وكل أزماتي السياسية والمجتمعية هناك، للبحث عن الهدوء والسلام، ولكني وجدت نفسي في القاهرة اعرف مزيداً ومزيداً من الناشطين والأصدقاء، والمدونين، وأخوض في جميع المظاهرات: مرة أمام سفارة سوريا دعما للثورة السورية المجيدة، ومرة أمام سفارة البحرين دعما للثورة البحرينية اليتيمة الباسلة.

 واختلطت أكثر بآلام الاخرين، وحصلت على جميع أعلام الثورات من ميدان التحرير أو اهداء من بعض المعارضين والمعارضات العرب الذين أصبحت القاهرة تعج بهم، وساهموا كثيرا في ارتفاع معنوياتي، فالايمان بالتغيير لا ينفذ من أرواحهم، لأجد نفسي في غرفتي مع الأعلام البحرينية والسورية والليبية واليمنية، شعرت أني الأم تيريزا للحظة، وأني أريد أن أتبنى جميع الثورات، وسجلت الاشخاص على هاتفي باسم الثورة الفلانية والمظاهرة الفلانية.

وحين وجدت نفسي أغرق بمزيد من السياسة التي هربت منها، ولأني لم أختر السياسة طريقا لحياتي -على الأقل كما أراها الآن-، حاولت أن أضع نفسي في جو الثقافة الذي أحب، فلجأت إلى شقيقي المخرج الذي أخذني إلى عرض فيلمه في معهد جوته الألماني خلال مهرجان للأفلام المستقلة، وغدوت أذهب كل يوم، كذلك فعلت مع مهرجان للأفلام التشيكية والتي كانت مذهلة، وحضرت كمية كبيرة من أفلام الأنيميشن والوثائقية والروائية، كذلك ذهبت إلى معرض فن تشكيلي للفنان محمود فرج في منطقة مارجرجس، وهناك أعجبتني غرابة الاحساس في لوحاته، فالذكورة والانوثة تختفي بينهما الحواجز في رسوماته، ويظهر المكبوت من داخلنا في وجه شخوصه، فأنا اجد نفسي ذلك الرجل وتلك المرأة في اللوحة نفسها.

 ولأني لا أريد أن أكتب عن الفنان محمود على الهامش لأنه يستحق أكثر من ذلك، سأرجع معكم إلى يومياتي وانشغالاتي في القاهرة وكيف أن هذا الغرق الثقافي بمساعدة شقيقي لم يبعدني عن أصدقاء الكفاح، والتورط في زمن نعيشه لم ولن يشبه زمناً آخر، فالقاهرة تعمر بالاجانب الباحثين والأكاديمين والمؤتمرات التي تناقش الثورة واستخدام السوشيال ميديا لدرجة أني شعرت أني في سوق الثورة أو زمن خصخصة الثورة، أحيانا يكون أمراً ايجابياً أن تكون مدينة الثورة عنواناً للثورات، ولكنه في الغالب يمحي قوة الحدث نفسه إذا بقينا نفتش فيه، ونكرره، ونتكلم عنه ونشبعه بحثا حد القتل.

 فتعبت من القاهرة رغم أن لوحات محمود التي اشتريتها من معرضه وعلقتها في غرفتي توازنت عاطفيا مع الاعلام الكثيرة، ورغم أن القطة الجديدة التي أتت بها صديقتي الايطالية جوليانا ووضعتها في شقتنا قد خففت من حدة السياسة والمظاهرات، وانشغلنا بمداواة ما فعلته قسوة شوارع القاهرة بالقطة الصغيرة، رغم كل ذلك لم أفلح في كتابة شيء، ولم يرق قلبي للسرد، بل بقي عقلي مشغولاً بالثورات والمظاهرات، ووقتي أًصبح معظمه يضيع في السفسطة العاطفية والسياسية.

 

وكان خَلاصي المؤقت وصول أحد الاصدقاء المخْلصين إلى القاهرة وهو الخبير في الإسلاميين، واقترح أن نجرب شيئا جديدا للروح، وبالفعل كان الامر، فقد ذهبنا يوم الجمعة الماضية3-6-2011 إلى خطبة محمد حسان الشيخ السلفي، في منطقة حدائق الزيتون الشعبية بالقاهرة في مسجد العزيز بالله، ولم أكن وحدي التي ترفل بثوبها الطويل وتركض نحو المسجد تريد ان تستمع إلى الشيخ محمد حسان -بغرض الكتابة ليس أكثر-، بل خرج من محطة المترو مئات المنقبات والرجال بأثواب قصيرة يسرعون إلى المسجد قبل أن تبدأ الخطبة، ووجدناه مليئا لدرجة ان “الحارة” كلها مفروشة مُصليات وسجاجيد.

 ذهبت إلى قسم النساء الذي كان يشبه منطقة صحراوية، مفروشة كلها بالتراب ومحاطة بسور من الحديد والخشب القديم، وتحت الشمس الحارقة إلى درجة أن بعض النسوة ابتكرن طرقا كي يجدن ظلا يجلسن تحته مثل استخدام أوراق الصحف، ومعظمهن يرتدين النقاب المزود بشبك على العينين-يذكرني بالنقاب الطالباني- أما المرتديات الحجاب كن قليلات جدا، والشيء الغريب كان أن الطبقة الفقيرة ندرت هناك، فمن عباءات السيدات وزي أطفالهن يسهل التخمين أنهن من طبقة غنية إلى حد ما.

 محمد حسان تكلم بحماس كبير عن ميدان التحرير الذي يجب أن يكون في داخل كل واحد فينا، وعن أنواع التحرير: تحرير القلب، والتحرير من ازمة الاخلاق التي تعيشها مصر بعد الثورة، وتحرير العقل من الشك الى اليقين، وتحرير المصريين من عدم الثقة بالمجلس العسكري لانه حامي حمى مصر، وهكذا تكلم الشيخ حسان عن العقيدة ولم يتكلم عن الفقه لان المرحلة تتطلب منه ذلك، كان حماسيا مؤثرا ولكنه ليس ذكيا كفاية، تكلم عن طاعة المجلس العسكري ولم يتكلم عن محاكماته العسكرية المجحفة بحق الثوار.

صديقي المخلص للموضوعية اقترح علي بعدها أن نذهب إلى شيء معاكس تماما للسلفية: إلى مسجد السيدة زينب حيث توجد حَضرة للصوفيين، وبالفعل اخذنا المترو وذهبنا إلى مسجد السيدة زينب، وشاهدنا الحضرة الصوفية وهكذا قضيت الجمعة بين السلفية والصوفية. تناقضان لا توجد بينهما أفضلية بقدر ما تتعرف على كل واحد منهما بمقابلته للآخر: السلفية فقه الجسد والصوفية فقه الروح. الصوفيون ينشدون حب الله ومعظمهم من الفقراء دون حاجز آلي ولا صحراء للنساء، بل كانت النساء في نفس الحضرة مع الرجال يهيمن في حب الله والانشاد له. الرجال والنساء يحررون الروح من الهيكل\الجسد، كما قال لي صوفي يبدو أنه من خاصة الخاصة: “مثل السمكة في البحر لا تستغني عنه، والروح لا تستغني عن خالقها وتحتاج إلى التوحد معه”.

الصوفيون يتجاوزون عوائق الاختلاط والجسد والرجل والمرأة للوصول مباشرة الى الروح، وهو بالفعل الدين الشعبي للفقراء، ولكنه ليس دينيا عبطيا، بل هناك قوننة للحب الالهي، وليس الامر دروشة فطرية فقط، انه تناقض كبير مع تزمت السلفية وتقعيدها للجسد والابتعاد عن الروح، والترهيب، والامر بطاعة ولي الامر مهما كان فاسدا، فهذه السلفية هي التي رفضت الثورة ثم فجأة أصبحت تجلّها، والحقيقة أن حال الصوفيين لم يكن أحسن في انتقاد الثورة فالداعية اليمني الحبيب علي الجفري كان موقفه محبطا الى درجة كبيرة من الثورة، وهو أحد رموز الصوفية الذين يقيمون في القاهرة.

 انا لست أكاديمية أو بروفسورة في أفضل جامعات العالم كما هو رفيقي الباحث، ولكني كاتبة أثق بحدسي الصافي نحو الأشياء، لقد خلبت كلمات الأشعار الصوفية روحي تماما، وشعرت معها بتحرر، وجلست بينهم ليس كسائحة فلم يكن ذلك يبدو علينا لأننا إلتزمنا بكل ما تمليه مثل هذه الاجواء الدينية. وطوال الوقت كنت أفكر أن هذا هو الدين: المحبة والترغيب والثقة والابتسامة والايمان، وليس التخوين والتكفير، والفصل وطبقات القماش السوداء حول النساء، والشمس الحارقة والتبعية لولي الأمر، وبالطبع أحترم كل من يختلف مع احساسي، فأنا أعرف أن هناك نقاط خلافية كبيرة مع الصوفيين مثل قضية قبور الأولياء الصالحين.

 يومياتي جميعها حتى الروحانية منها، أبعدتني عما جئت من أجله إلى مصر، وأقصد الكتابة القصصية التي تحتاج لأن ألفظ قليلا التدوين والصحافة والفيس بوك، وتويتر، والابتعاد عن التجارب الجديدة، او الغرق في ألم التجارب القديمة، فالكتابة القصصية تحتاج إلى سلام، وذاتية مقيتة، وعزلة اجبارية، وتكثيفا للغة وتخزينا للاحساس والطاقة والرغبة، لذلك أخذت القرار سريعاً:  قررت مغادرة القاهرة إلى مدينة لا أعرفها أو بالاحرى مدينة لا تعرفني، فشددت رحالي واخذت كتابين أحدهما رواية مملة في الحقيقة لكولن ويلسن، عنوانها “الشك” وهي عكس كتبه الرائعة في الفلسفة، وحقيبة صغيرة فيها قطع ملابس ليس لها علاقة ببعضها البعض وتوجهت إلى المحطة وحجزت كرسيا في القطار المتجه الى الاسكندرية.

 وحين وصلت، يا الله كم صدمني جمال المدينة: يتوسط البحر المدينة بدقة غير معهودة، كما أن إحاطة المباني للبحر فيه حنان غريب، كانت عينيّ قد افتقدتا الافق البحري بعد ثلاثة أسابيع في القاهرة، فقد اكتشفت هنا أن مجاورتي للبحر في غزة حولتني لكائنة ساحلية، فاشتقت بعطش لرائحته القادمة من بعيد.

 

ارتحت، تنفست بعمق، لم أهتم ان ابحث عن مكان اسكن فيه، بل جلست قبالة البحر بمجرد وصولي أشاهد الغروب، حاولت الاستعانة بأصدقاء لمعرفة خير مكان وارخص مكان وأقرب مكان من البحر للكتابة، لكن الامر لم يفلح كثيرا، وبمجرد ان وصلت جلست في الشارع وأنا أجر ورائي حقيبتي، ارسلت رسالة لوالدي قلت له فيها :”عرفت الان لماذا ماما حملت بي هنا؟ انها مدينة الحب والجمال” فرد علي يقول :” روحي سبورتنج الصغرى، شارع الجيش بناية 72 الدور الرابع، اول عنوان لك”، بكيت وأنا أراقب الغروب على شاطئ الاسكندرية، والدي ووالدتي اللذين تحابا في مخيم رفح منذ كانا طفلين عاشا اول عام في زواجهما هنا، وحملت بي والدتي هنا، إذ كان والدي لا يزال طالب  في مرحلة التخرج من جامعة الاسكندرية.

اذن هذه كانت مدينتي الاولى وهنا كان عنواني الأول، وانا الان فيها نكرة، وكم أحب المدن التي تحولنا لنكرات، نتوه ونضيع بحثا عن ذواتنا من جديد، بحثا عن حبنا، وعما نريده، كلما ابتعدت بي المدن كلما زاد قربي من غزة ومن الله ومن ابني ومن نفسي.

 في هذه المدينة والدتي حملت بي تسعة شهور وحين حان موعد الولادة، رجعت براً لمخيم رفح وولدتني هناك، كم أنا محظوظة بك يا اسكندرية، مدينة الحب والهوى، وكم أحب أن أقارب وأقارن بين المدن حين تصدمني بالفرح، وكم انتظر من نفسي ان تشعر بالانطباع الاول: مدينة إلهام وجمال بامتياز، مدينة الشاعر قسطنطين كفافيس والفيلسوفة هيباتا، تذكرني بجمال مدينة أنطاليا التركية مع فارق الاهتمام بالكورنيش، والمرافق العامة.. مشيت ومشيت ومشيت واكتشفت “لوكندة” صغيرة على البحر ورخيصة والاهم انها فارغة تماما، الا من رجل عجوز يحرس بابها ويسجل الزائرين، فكأني حجزت “اللوكندة” كلها، يبدو أن الاسكندرية خالية من السياح إلا من بعض العائلات الخليجية كما لاحظت..

الآن أجلس في مقهى شعبي أمام البحر انتظر بزوغ الفجر، حيث يقع  المقهى تحت “اللوكندة” التي اقيم بها، وأقنعت بصعوبة صاحب المقهى ان أجلس لانه يقول ان الشرطة السياحية ترفض جلوس النساء بمفردهن-يبدو أن المرأة تهمة في أي مكان وبأي حالة، فقد كنت اريد ان اقول له انه عندنا في غزة يفضل أن تجلس المرأة وحدها هههه-، ولكن حين قلت لصاحب المقهى اني صحافية واريد ان اكتب شيئا ثم نظر الي بتمعن ولاحظ كوفيتي والتيشيرت المليء بالشعارات الذي أرتديه، ارتبك وسمح لي بالجلوس، يبدو أن الثورات جعلت للكتابة والتدوين والشباب سطوتهم بالفعل.

لم تسعدني مدينة زرتها من قبل مثلما فعلت الاسكندرية رغم حزني الشديد ان ارى مدينة الحضارة وتاريخ الكوزموبوليتانية من يهود ومسيحيين ومسلمين وأرمن ويونانيين ومصريين هي المقر الرئيسي للجماعات الإسلامية المتشددة، فالقاهرة أكثر انفتاحاً، وسألت نفسي بغرض الاستنكار إذا ما كانت الاسكندرية في الماضي مدينة كافرة أم أن الدين كان أكثر صوفية وروحانية ؟ وهل هناك مدن كافرة وأخرى مؤمنة؟…وكيف لأي أحد أن يسكن في مدينة مثل الاسكندرية من الممكن أن تتزمت روحه وطبائعه..فهي مملكة الحب والبحر والجمال..؟!

انتظركن\ أنتظركم

الاسكندرية

فجر يوم الاربعاء 8-6-2011

محبتي

أسماء الغول

Advertisements