Archive for 6 يوليو, 2011

من سيرة البحر إلى هذيان اليابسة..يوميات هروب من الذات إلى الذات2

يوليو 6, 2011

هل بكيتم على مدينة من قبل؟ انا فعلت، أنا بكيت على مدينة، بكيت حين غادرت الاسكندرية كأنها حبيب ضائع. وصلت إلى القاهرة: إلى التلوث، إلى القسوة، إلى الحر، إلى الغبار المجاني. وهل يُبكى على المدن؟ نعم..حين تكون بروعة الاسكندرية، أما القاهرة فلا يصيبك من ورائها إلا ما أسميه اكتئاب القاهرة.

في الاسكندرية لا احد يعرفك، وحين يخمنون سيعتقدون انك من ليبيا فحدود السلوم هناك يقطعها الألوف يومياً ليستقرون في المدينة الساحلية التي رغم جمالها إلا أنني رأيت فيها القسوة، فهي ليست مدينة مثالية.. لا توجد مدن مثالية.

رأيت العديد من اطفال الملاجئ يرتمون على الارصفة ويتغطون بأذرعتهم: بشرتهم سوداء من البحر وشعورهم شقراء من الشمس، كلهم يشبهون بعضهم في ملامح الوجه والضياع، رأيتهم مساكين في عالم الكبار، يمسحون الأحذية ويعملون في الكافتريات الفخمة.. عمالة الاطفال هناك ليس عليها رقيب، وكذلك السرقات: فقد سرق احدهم هاتفي المحمول في وضح الناس، وعليه صوري وجميع الارقام المهمة التي من الصعوبة جمعها مرة أخرى، اعترف أن للمدن دائما وجهها القبيح…

 في اي مدينة غيرك يا اسكندرية يكتب على صخورك: “الحب حرام”، وبخط مطبوع كأن البلدية من فعلها؟!، إلا أنها ليست البلدية وإنما جرأة العبارات ووضوح الخط يدلان على تنفّذهم ألا وهم الجماعات السلفية، والاسكندرية كما أوضحت في الجزء الاول هي معقل لهذه الجماعات، ففي اي مدينة عند بحرها الازرق الشاسع يكتب على صخوره: ” الحب مش حرام الحب العيب هو الحرام” !؟، فقط في المدينة التي غدت محافظة بفعل فاعل، يريدونه ايضا بحرا محافظا او كما كتبت غادة السمان ..” لا بحر في بيروت” فلا بحر في الاسكندرية.

وهذه الجماعات مثل كل الجماعات الاسلامية لا تسيطر سوى على أماكن الفقراء، فهذه العبارات كتبوها في الأماكن العامة للعشاق متوسطي الدخل والمعدومين..وهي أماكن في الاصل قليلة امام جبروت السياحة والمال والسلفية، اين يذهب العشاق العاديون: انا وانت وهي وهم، اذا كانوا يحرّمون الحب على مدينة الحب؟!.

يستغل هؤلاء كل ما يستطيعونه من حق يراد به باطل ليمنعون الحب: ” من الهدي النبوي: لمس الخطيب لخطيبته حرام شرعا”، ولكنها في الوقت ذاته ربما الاسكندرية ايضا هي المدينة الوحيدة التي تجد فيها من يرد على الصخور بعبارات اخرى وبكتابات اكثر جنونا: تحت جملة  ” الحب حرام ” كتب العشاق : ” الحب بس بهدلة”، وتحت عبارة ” تخيل أنها أمك أو أختك” ردوا: “هو ما فيش غير امي واختي في البلد”.

كوميديا سوداء بكل معنى الكلمة، إنه عصر الحريم والمتشحات بالسواد في وجه البحر، والعالم والسواحل والموانئ والمدن، لم أرَ عدداً من المنقبات في حياتي في مدينة كالإسكندرية سوى في غزة، وهذا على اعتبار اني لم اذهب الى السعودية بعد!!، كذلك الرجال الذين لهم اللحية السلفية التي يحف معها الشارب، ومعظمهم ومعظمهن لطفاء، ولا ادري لماذا يجب عليهم ان يفعلوا ذلك؟، فعلى سبيل المثال افضل بائع كرابيج حلب أو كما تسمى هناك بلح الشام هو شاب سلفي يصر ان يضع الشوكلاتة الذائبة على لقمة القاضي “العوامة” وانا اقول له :”يا اخي انا شامية وانت تقلل من احترام لقمة القاضي هكذا!” زميلي وصديقي المدون احمد عصمت سحبني من امام الرجل وهو يقول لي :” خلاص انا حاكلها ممكن تبطلي احراج ليه”…طبعا أحمد غضب بعد ما اشتريت كل شيء يباع على شاطئ البحر من الذرة المشوية -لا يعرفون الملح معها، كما لا يعرفون المسلوقة-، إلى الترمس الذي يضعون عليه الشطة، وكنت أناقش كل بائع قليلا اقنعه ان يجرب مثلا الترمس من غير شطة والذرة بملح..وحين اقتربنا من بائع الفرسكا أو بالأحرى هو اقترب منا لأنه يبيعها بصندوق زجاجي ويتمشى به على الشاطئ، بدأ احمد يتبرم بشكل اعنف قليلاً وهنا قلت له بحسم: “انا اصلا قدمت الى الاسكندرية من اجل الفرسكا”، فلن تجدوها في اي مكان في العالم ولا حتى القاهرة الا على شاطئ الاسكندرية. والنتيجة اشتريت الفرسكا، ولم يتصل احمد مرة اخرى بحجة انه لا ينقصه مجانين.

 وبصراحة عدم وجود رفقة في اليومين التاليين أفادني جدا، وأحيا عندي دافع المغامرات المشلول، فذهبت وحدي أبحث عن عنوان البطل خالد سعيد، ولكن قبل أن أحدثكم عنه، أريد أن أوفي أحمد عصمت حقه قبل أن أغدر به-كعادة الكُتاب-، وأعترف اني بفضله تعرفت الى عنوان منزل قسطنطين كفافيوس.

دخلت الى بيت الشاعر كفافيوس تجتاحني مشاعر كثيفة، ذهبت الى غرفته وبلكونته. جلست على سريره: ضوء ذهبي غائم يملأ البيت يشبه شفافية اشعاره، نظرت الى اللوحات على الحائط ما يبدو انها لعشاقه، نظرت من بلكونته توقعت ان تطل على البحر ولكن لم يكن ذلك صحيحا بل تطل على الزحمة ومنازل شعبية اخرى، حتى ان شارع كفافيوس الذي يحمل اسمه لا يتسع لسيارة كبيرة، إلا أنك بمجرد ان تراه تشعر أن هناك شاعرا مر من هنا: الاشجار والمعمار الجميل، ولن اقول الهدوء،..نظرت الى صوره وكتبه وبقاياه المتأنقة بين جنبات منزله\متحفه وتنفست صعداء الماضي وقداسة الابداع..وصورت المنزل وغادرت..

 

كان احد انطباعاتي الاولى عن مدينة الاسكندرية انها مدينة أيروتيكية بامتياز، تضج بالطاقة والرغبات، وليس فقط لان نطفتي في رحم والدتي بدأت هناك، بل لأجواء البحر والحرارة، وجمال فتيات الاسكندرية الذي يتفوق على المدن المصرية بأضعاف، اضافة للعشاق الذين يسرقون القبل هنا وهناك بمجرد نزول الليل، وانا انظر مستغربة كيف يجرؤون؟ يبقون على قبلهم الليلة حتى لو عرفوا أنك تراقبهم..ربما انها مدينة طبيعية وتعاملنا على اساس طبيعتنا فلا يعد من يرانا أو لا يرانا هو المهم..اكتشفت أنني أنا التي لم أعد طبيعية..!!

في هذه المدينة إما أن تكون عاشقا جداً أو وحيداً جدا، وأنا كنت سعيدة بوحدتي رغم غيرتي من مدينة الحب، ولكن هذه الوحدة هي التي جعلتني اتمشى لاتبع العنوان الذي ارسله لي والدي كي اكتشف المنزل الذي عاشا فيه اول عام من حبهما وزواجهما. أذكر اني وجدت البناية وكانت قديمة جدا كأنها آيلة للسقوط، ونبهني والدي أنه حتى حين سكن فيها كانت قديمة جدا. ذهبت الى البواب وقلت له : “بابا وماما كانوا هون في الـ81 وانا اريد ان ارى المنزل الذي كانا يعيشان به”، البواب تحمس لدرجة شعرت اني مشاركة في واحد من تلك البرامج التي تمشي فيها المذيعة ومعها كاميرا وجائزة مفاجأة ومايكروفون وتدق باب الشقة لتقدم الهدية.. بصراحة أنا تقريباً فعلت ذلك حين اتصلت على والدي عبر الهاتف المحمول، وكلمته وهو يوصف لي المنزل وانا اصعد الدرجات حتى قال لي أنها هي بالفعل الشقة المتوسطة في الدور الرابع.. قرعت الباب وفتح لي شاب اصلع،  قلت له: “عائلتي عاشت هنا قبل 30 سنة، وأريد رؤية الشقة”، فرد علي الشاب مرتبكاً: “لكني وحدي في المنزل “، قلت له: “اترك الباب مفتوحا..البواب قادم خلفي” الشاب مصدوم جدا وهو ينظر لي كأني مجنونة، كان والدي معي على الهاتف، سألته عما يميز الشقة كي أتأكد أنها هي، فرد بأن هناك “سدة” فوق الحمام، وهو بالفعل ما كان، وسألته اذا ما كان في الغرفة التي تقع في يسار الشقة بلكونة صغيرة، فرد: نعم، وبالفعل كانت هي الشقة، وكلمت والدتي، وقلت لها لا اصدق انك حملت بي هنا، وكان هذا مكاني الاول على الارض، وهنا تصنعين الشاي وتطبخين، فضحكت متأثرة..

اعتذرت للشاب الذي لا يزال مصدوما اني اقتحمت يومه وتطفلت على بيته، وخرجت وانا اسأله عن اسمه لانه دخل تاريخي الشخصي وسأذكره على مدونتي فقال ان اسمه احمد، وهنا البواب ركض خلفي قائلا :”انا اسمي حمودة، حيطلع اسمي كمان على الانترنت”. هههه.. قلت له:” طبعا طبعا” وما هي إلا خمس دقائق حتى تجمع الجيران يتحدثون عن قصتي..وأحدهم يقول انه عرف والدي، وهناك من يقول ان العمارة تجددت حديثا، فخرجت راكضة لا اريد ان أكلم احداً لأني لا أريد أن أفقد احاسيسي غير العابرة خلال ثرثرات عابرة، ولابد من القول أن اجمل ما كان في العنوان، أن العمارة رقم 72 تقع على البحر مباشرة، ألمحها بمجرد ذهابي وايابي من شارع البحر أو شارع الجيش كما يسمونه، واشعر بالاطمئنان ان هنا كان مكان الحب الاول الايروتيكي الحقيقي في حياتي..انهما والداي العزيزان..

وحدتي هذه غير نادمة عليها، فقد ذهبت الى قلعة قايتباي الجميلة التي تحولت ممراتها المشيدة منذ 1477م مهبطا لعشاق خجولين هاربين يبحثون عن زاوية لحضن او همسة، وسرعان بعدها ما ذهبت إلى مكتبة الاسكندرية وخاطبت هناك حاميتها الفيلسوفة هيباتا، شاكرة انها حمت وتركت مكانا بهذا الجمال والهندسة النادرة ..تحيط به بحيرة مياه “حلوة”، كي تكسر ملوحة مياه البحر التي تفسد أساسات المبنى.

إحياء الجزء المغامر في الروح، يعني أنك قد تذهب إلى أماكن لا تعرفها، بل تبحث عنها لمجرد أنك سمعت بها: اخذت “الميكروباص” الى منطقة “ابو قير” وهي اخر يابسة على طرف الاسكندرية، واعتقدت ان المشوار سيكون هيناً، ظانة ان الاسكندرية تبدأ وتنتهي من حدود مكان اقامتي: المنشية ومحطة الرمل ومجرد امتداد الساحل الذي أراه من هناك، ولكني صدمت حين ذهب وذهب وذهب “الميكروباص”، وكان شارع البحر يقود الى ممرات وشوارع وجميعها واسعة تقع على البحر ..إنه يقودني إلى البعيد الذي لم أختبره يوماً مع مدينة ساحلية، وهنا قلبي هبط خوفا حين اكتشفت انها مدينة كبيرة.. كبيرة ..مرعبة وانا غريبة فيها وعليها، خاصة أن المائة دولار الوحيدة التي احملها في سفرتي هذه اقتربت من أن تنتهي ذلك اليوم، ولكني شجعت نفسي وقلت لها ألاتخاف..فالمدن الأصيلة لا تخون عشاقها..

 ولحظة نزلت في منطقة “ابو قير” شعرت اني بحاجة لأن أستخدم دورة المياه، فسألت سيدة من الشارع، وردت أنها ستأخذني الى منزلها، فذهبت معها تصحبنا إمرأة أخرى، تدخلان أزقة وحارات ضيقة جدا تشبه أزقة وممرات بلوكات مخيم رفح بل أضيق، ومفروشة بالبط والدجاج والإوز الحي، وانا امشي خلفهما واشعر اني مع ريا وسكينة..الفكرة ارعبتني، ولكن  النداء الفيزيائي اقوى من تحذير هرمون الخوف. وصلنا بيتها أخيرا..خرجتُ من الحمام، وانا أسألهما : “شقيقتان؟”، فقالت لي إحداهما انهما صديقتان، وتابعت أن هذا بيتها وتعيش وحدها بعد ان غرق ابنها الكبير وزوجها في رحلة صيد بمرسى مطروح، لتأخذ اخت زوجها بقية ابنائها منها حتى انها لا تستطيع رؤيتهم رغم قرب مكان سكناهم.. حزنت من اجلها وندمت على شكي بها، ولكن بمجرد خروجنا من منزلها تراجعت عن ندمي لأنها بدأت ترشد صديقتها كيف بامكانها ان تسرق بطة من غير ان تصرخ البطة فتفضحها في المنطقة، فعرفت اني نوعا ما مع ريا وسكينة الاوز والبط..شكرتهما كي لا اتورط انسانيا اكثر معهما..فأنا أعرف نفسي..وركضت الى شاطئ البحر الذي يبزغ جميلا ً من بين البيوت الشعبية، ولحقت بالغروب في منطقة “ابو قير” ثم غادرت في “الميكروباص”، بعد ان اشتريت “اللب” المصري الذي ادمنت عليه، ووصلت الى “اللوكندة”، وانا حزينة لاكتشافي ان اسكندرية تختلف كثيرا عن غزة، وليس كما قلت في الجزء الاول من يومياتي، فالاسكندرية بلد واسعة وكبيرة ومليئة بالسواح والحيوات والتعقيدات التي تطلق آلامك بمجرد تخيلها ..

أما كيف تكفي مائة دولار لأسبوع هناك فهو تحد جميل، ومستحيل  لمن يريد أن يصرف مائة دولا كل ساعة وهو أمر سهل جدا في الاسكندرية، لكنك اذا اكتفيت بالكتابة والجلوس امام البحر، والبحث عن “لوكندة” لا تتجاوز الـ50 جنيها في الليلة، فلن تحتاج غير ان تقف في طابور العيش كما فعلت وكانت تجربة رائعة، وحصلت على 20 رغيفاً بجنيه، وتشاجرت مع كل النساء اللواتي خلفي لأنهن لا يحترمن الطابور، ما جعلهن يسخرن من لكنتي الفلسطينية وحرف الجيم الذي أعطشه حد القتل. وطلباً للزهد أو التقشف فأنا أنصح بأكل الكبدة الاسكندراني والسجق الاسكندراني، ولا مانع من وجبة سمك مرة واحدة، لان السمك هناك مرتفع الثمن جدا رغم توفره بكثرة، أما في المواصلات فيجب أن تعتمد على قدميك و”الميكروباص”، وهناك ما يسمى بـ”الترام”، وبخصوص الانترنت تستطيع أن تجد وايرليس مسروق او مجاني في بعض المقاهي الشعبية.

..وعودة إلى آخر الأماكن المهمة التي زرتها..منزل خالد سعيد وهو أكثر العناوين التي أرهقتني حتى وجدتها، اكتشفت المنزل أخيرا والشارع الذي سُمي باسمه في منطقة كيلوباترا ذهبت اليه بالميكروباص، ومشيت وصعدت الى المنزل وانا ارى صورة كبيرة للشهيد بجانب المنزل ولكن لم يفتح لي احد، فنزلت انتظر في القهوة المجاورة للبيت وصعدت مرة اخرى بعد ساعة، وبالفعل فتح افراد من عائلته متخوفين من اي صحافي خاصة بعد العديد من الصحافيين الذين دخلوا بهويات مزيفة لأسباب امنية، أعطيتهم بعض أوراقي الرسمية، جلست معهم ومع شقيقه الكبير أحمد الذي يبدو من حنانه وهو يتكلم عن خالد كأنه والده، متحدثاً عن الالم الذي يعتصر قلبه كأن خالد استشهد للتو..

منحني شقيقه فرصة تاريخية كي أطلع على مقتنيات خالد الشخصية خاصة تلك التي كانت معه في لحظات موته مثل نظارة الغوص إذ كان ينوي الذهاب للبحر بعد مقهى الانترنت، كما اطلعت على اجهزة الكمبيوتر التي يمتلكها في غرفته والبطارية التي كان يستولد منها الكهرباء في حال تم قطع التيار الكهربائي، أدلة  تثبت انه بالفعل كان عبقريا في الانترنت، وأجمل من كل هذا حين تستمع إلى الطريقة التي حصل فيها خالد على فيديو المخدرات الذي كان سبباً في قتله  وشهرته، فقد سحب الفيديو الكترونيا حين كان رجال الشرطة يتبادلونه عبر البلوتوث وهم يجلسون في مقهى شعبي وهو ذاته المقهى الذي قتلوه لاحقا أمامه، وهم يرطمون رأسه  بعنف في درجات رخامية حتى كسروا الرخام..ورأسه بالطبع!!

رأيت كل شيء، ولم اصدق كم هي جبانة “حارة” خالد سعيد، فقد كتّفت أيديها وهي تراه يموت امام عيون الجميع، لافظاً انفاسه الاخيرة، والآن يفتخرون ان الشارع باسمه وكل واحد يحاول متسابقاً ان يشرح علاقته به..هكذا نتخلى عن الابطال في حياتهم ونذكرهم في موتهم فقط . رأيت فيديوهات غير معلن عنها تمتلكها عائلته للمظاهرات التي خرجت من اجل خالد سعيد وللمحاكمات العلنية التي قام بها اصدقاؤه للقتلة في منطقته وذلك قبل الثورة بشهور طويلة، وكلها تقول شيئاً واحداً: ان الثورة بدأت هنا، بدأت حين استطاع خالد سعيد كشف ملفات الفساد التي كان يحصل عليها بقرصنة المواقع الحكومية ويوزعها على الايميلات فلم يكن عنده مدونة، ودعوته إلى التغيير بدأت في محيطه الصغير، فخالد سعيد هو الأب الروحي لثورة مصر، والظلم الذي وقع عليه لن ينتهي سوى بمحاسبة الضُباط الثلاثة الذين قتلوه انتقاما شخصياً لأنه أظهرهم يبيعون المواد المخدرة بعد مصادرتها، تمنيت لحظتها أن يهدأ قلب شقيقه أحمد الذي يشبه قلب طفل بطيبته واحساسه بالذنب لأنه لم يكن يومها مع خالد…

خرجت من منزل خالد سعيد لا اصدق حجم المشاعر الغريبة التي شعرت بها، والظلم الذي من الممكن ان يفعله انسان بانسان وحكومة بمواطن وشرطي بضحية، خرجت حاملة ألم احمد وخالد ووالدتهما وقلوبهم التي تغلي ولن تهدأ قبل أن ينتقموا له، خاصة بعد محاولات التشوية الفظيعة المنظمة التي تحاول النيل من عائلة خالد سعيد وطريقة موته، نحن العرب لا نستحق ابطالا مثل خالد سعيد مصر وبوعزيزي تونس، إلا في حال موتهم، أما في حيواتهم فنعمل كل ما يلزم لنقتلهم ونهشمهم ونعزلهم ونسب عليهم ونشوههم..

أنا الآن في القاهرة..أقضي معظم الوقت أفتقد الاسكندرية ولا أخرج من البيت، أتعمد العزلة.. أكتب وأكتب وأكتب ثم أقرأ، بكيت مرة على الاسكندرية وعرفت أن البكاء لا يجب أن يكون مدخلي للافتقاد ..بل الكتابة هي المدخل والمنتهى والمواساة..

القاهرة

أسماء الغول