Archive for 30 سبتمبر, 2011

غادريني يا غزة..كي أرى الجيزة هي الجيزة!

سبتمبر 30, 2011

أسمع هديل الحمام، وأشم رائحة البحر، من خلف ستارة خضراء مقلمة، تدخل منها الرياح وتلاعب شعري، أمشي نحو ستارة النافذة لأرى غزتي وأختبر شتاءها وما قبل شتائها وما بعده،..اقترب.. اسمع صوت موج البحر، يزداد خفقان قلبي..امسك الستارة ..هديل الحمام الصباحي يختلط بالموج ورائحة أول قلي الفلافل، وتراب ما بعد المطر..اقترب من الستارة ويزداد الخفقان، افتح الستارة..فأجد الجيزة ..أنا لا أزال هنا ..لم أذهب هناك .. في القاهرة…حيث لا بحر ولا هديل ولا حتى فلافل…

يهبط قلبي أربعين ربيعاً ويعود لخريف كئيب فأعرف أني لم أرجع لغزة ولم أقترب حتى من رائحتها ولا من هديل حمامها، أتقبل الواقع الذي لا يتقبلني أو يتقبلنا نحن المحكوم عليهم بالإبعاد الاجباري إلى أجل غير مسمى، نحن الذين اضطررنا للرحيل إلى أن تعود البلاد إلى البلاد..

آخر أسبوع سكنتني غزة وسكنتها حد الهذيان..يزورني موتاها تباعاً في اليقظة وأحلام الحرمان والعطش: جدي عبدالله وجدي خليل، فأتكلم عنهما للجميع علّني أخفف الافتقاد..وذنبي لعدم رؤيتهما قبل موتهما..أتكلم عن طفولتي كأني أعيش آخر أيام حاضري ..أخبرهم عن دقات الساعة في الانتفاضة الأولى التي كان وقعها يشبه وقع “بسطار” جندي اسرائيلي يقترب من باب منزل جدي في المخيم، فأبقى مستيقظة طوال الليل ولا أنام حتى تؤكد لي والدتي أنها ليست سوى دقات ساعة الحائط..

أتكلم وأتكلم في غربتي عن غزة ورفح وبحرهما، لعل الحكايات تعوضني ولكن لا الكلمات ولا الكوابيس ولا اليقظة تعوضني الراحة التي كنت أشعر بها وأنا أسمع صوت والدتي وأرى والدي أمامي ونتحدث في كل شيء ونضحك على كل شيء، ويمسنا هواء قادم من النافذة على ضوء الشموع أو “الشمبر”، فبالضرورة تكون الكهرباء مقطوعة..تفاصيل صغيرة وعادية نكفر منها وبها في غزة، ولكن بعيدا عنها يكاد الواحد منا يذبح لها القرابين لترجع وتعود اللحظة، تلك اللحظة وذلك المكان وتلك العائلة..الله ما أجملك يا وطن..

أنا لاجئة ..ولم أعرف يوما وطني الحقيقي وفي الغالب لن أعرفه، وحين كتبت فلسطين أول مرة وأنا في الابتدائية كتبتها بالصاد..لأن وطننا كان دائما افتراضياً..وكنت آمل أن اعتراف الأمم المتحدة بالعضوية الكاملة لفلسطين ينقلها من الافتراض إلى الخرائط والأجندات الرسمية وبين أعلام الدول الأخرى في واجهات المؤتمرات وفي قائمة الدول الالكترونية عند كاونتر تذاكر السفر وحجوزات الطيران وحتى على شباك الوسترن يونيون..بدلاً عن انتظار الذل والإهانة  إلى أن يجدوا أننا كائنات لها هوية واضحة المعالم ولسنا مسوخ الجنسية ..

اليوم وفي هذه اللحظة بالذات ومع كل هذا الحنين ومع حتمية الفيتو الأمريكي، أقول أن غزة وطني الذي لا يعوضني عنه حبيب أو عمل أو حتى حرية..وطن بلا حرية أصبح الآن أفضل عندي من حرية بلا وطن..ليس ذنب أوطاننا أن وجهها يتغير..فأحيانا ترتدي نقاباً وأحيانا ترتدي باروكةً صفراء وأحيانا تضع وشماً..فأوطاننا لا ترتكب الذنوب..بل نحن نكسيها بذنوبنا..ونكرهها ونتشائم منها ومن ثم نهرب كي لا نرى ما اقترفناه..

أشتاق لك يا غزة..إلى شتائك وصيفك وشوارعك واسمائك..وبحرك الذي لا يشبه بحرا هنا وإلى سمائك التي لا تشبه سماءً هناك..وحتى قيظ الظهيرة وعبور المارة الصامت وضوضاء السيارات في يوم عادي أشتاق له،..فعاديتك يا غزة فارقة لا تزور بقية المدن..

يزورني حضن جدي وأنا اختبئ تحت لحافه في ذراعه الكبيرة كأنها جناح “مالك الحزين” فيغادرني الخوف الطفولي..تلك اللحظة بالذات يا جدي لم تعد أبداً بعد موتك..فقد ذهبت بذهابك..كما ذهب اللحاف..وليس معي الآن غير هذه الأغطية الخشنة التي تزيد قلقي وكوابيسي..ولا يخفف وطأتها سوى تلك الستارة المقلمة التي أرى غزة من ورائها…

تعبت من الحنين والعطش..غادريني يا غزة..كي أرى الجيزة هي الجيزة!..

أسماء الغول-القاهرة

30-9-2011