Archive for 23 نوفمبر, 2011

أغلقت نافذتي في صباح بلجيكي عاجز..!!

نوفمبر 23, 2011

بصعوبة شديدة يناضل الصباح في بروكسل ليبزغ، وحين ينجح تكون الساعة قاربت التاسعة وأحيانا العاشرة..أهلا بك في أوروبا..صباحات تطلع متأخرة ومساءات تطول حتى اليأس ..أليس هذا حال الوطن العربي الآن وثوراته؟.

أراقب الصباح يزيح الظلمة بثقل واصرار، من نافذتي في فندق بوسط العاصمة البلجيكية بروكسل، أتدثر ببطانية وأنا أفتح النافذة رغم البرد الشديد كي أتلمس جمال المدينة وكي ابحث عن صفاء الروح، بعد يوم طويل من العصف الذهني والفكري قضيته في المفوضية الأوروبية، أمس، في نقاش جماعي يبحث احتمالات ما سيؤول اليه مستقبل الدول العربية، وكم هو موضوع يغبش الروح ويحزنها..!

يقول أحد الروائيين أن المكان الذي يجرحك تبدأ بعشقه، وربما لهذا السبب لم أقع في حب أوروبا بعد، وأراه نوع من الكابوس أن أضطر لأي سبب كان الاستقرار فيها، ولكن ما أيقنه جيدا أني واقعة في حب القاهرة وغزة ورفح حد الهذيان، فالطالما جرحتني هذه المدن وأدمنتني على المشاكل والمعاناة والفشل.

ولا أدري ما صحة أن المكان الذي تكون فيه مستقرا يدفعك للابداع ما يناقض مقولة ان المعاناة هي التي تدفعك إليه، ولكني ارى اني اكتب في كل مكان، الا في حال كان قلبي قد سيطر على عقلي بألم جديد فلا أستطيع سوى أن أصاب بالبلادة معه وشعور بالنبذ، ألا يحدث هذا معكم؟ ألم يحدث أن تشاجرت مع حبيب أو صديق عمر فشعرت بالنبذ الكبير إلى درجة تبدأ بالشك في ذاتك، ويتَلَبَسك احساس أن كل من يراك في الخارج يعرف كم تم اذلالك، فتكون ردة فعلك مضاعفة بالغضب والانعزال عن كل الناس حولك، كأنهم جميعا اتفقوا عليك؟!.

بين النبذ والاغتراب والبرد وهذا الصباح الذي لم ينجح بالطلوع حتى الآن، أتساءل: اذا ما كان الغجر يشعرون احساسي بالعجز الانساني حين تحذفهم رحلاتهم وأقدارهم إلى حيث لا يعلمون، أم أن ذلك يحررهم من كل ما يَعلق بالنفس من أحقاد واحباطات؟ لا أدري، لا أدري..كل ما أعرفه أني أحمل حيرتي وقلقي إلى كل مكان…

كيف لا أقلق اذا كانت ثوراتنا لا تزال عالقة في رحم المستقبل، واذا كان يلزمنا مزيدا من الدم لدرجة النزيف كي تنجح ولادتها كما يحدث الآن في ميدان التحرير بالقاهرة، أو قد تنحرف عن المسار الأصلي وتكف عن كونها ولادة ثورة وتتحول إلى مسخ كما حدث في ليبيا، ولكن أليس نحن نتحمل مسؤولية أحلامنا في الميدان ويجب أن نقاتل من أجلها للنهاية؟..كي لا تنكمش ثورتنا على نفسها كما يحدث في اليمن الآن، أو تفور وتفور دون أن تطفئ نيران الظلم كما في سوريا..أو نسلمها لأيدي الجديد المجهول كما تونس.

صوت القطارات يملأ الصمت البلجيكي بالضجيج، دبت الحياة في المدينة ولم يدب فيها الصباح بعد، يا الله كم يشبهنا هذا الصباح المؤجل، كم يشبه افراحنا وحبنا وضحكنا وسعادتنا واطمئنانا….

كنت ذهبت إلى باريس ومدينة جِنت في بلجيكا لرؤية شقيقي مصطفى الشهر الماضي وذلك بعد موناكو، وكنت سأستمر في كتابة يومياتي هناك -وبالفعل توجد عندي بعض المسودات-، إلا أن محادثة سكايب مع والدي وهو قارئي الوحيد محل الثقة الذي تهمني ملاحظاته، قال لي فيها: اخرجي من الخاص للعام،..جعلتني أحبط وأشعر بالتكبيل، أعرف أن معه حق، ولكن هذ البوح الخاص نادرا ما نراه وأشعر أن الجميع بحاجة إلى الصدق الشخصي كي نعرف كم نحن نرتكب فداحة التشابه والاقتراب من بعضنا البعض انسانيا، وأن تجاربنا وأخطاؤنا تتماثل قبل مشاعرنا.

لم أكتب عن باريس تلك المدينة التي تعتني بالغرباء حتى لو تهت فيها لأنها بريئة من ذنبك.. ولم أكتب عن مدينة جِنت ببلجيكا ورحلة الدراجات في غابتها، ولم أكتب عن أي شيء آخر، بل رجعت إلى القاهرة وعشت فترة بلادة جديدة تمنعني من كل شيء عدا الانعزال والقراءة، وكتبت عن خوازيق الثورات نصا صغيرا يحررني من ألمي، وقضيت عيد الأضحى بين كتب كونديرا وعبد الرحمن منيف ولم يخرجني من بينها، سوى شقيقي المخرج عبدالله الذي ذبح خروفا وأرادني أن أساعده في طبخ المقلوبة، ولقد أخرجتني تلك المقلوبة برائحتها وطعمها من اغترابي الآني ليطير بي الحنين إلى غزة ورفح وأمي وجدتي وأيامنا تلك التي كانت فيها الصباحات قوية وشجاعة تتحدى الظلمة المنزاحة..

يبدو أن الصباح هنا في بروكسل استسلم للظلمة التي زاد من طبقاتها ضبابا غير متوقعا، ويبدو أننا في أوطاننا سنسلم أقدارنا لثورات غير حاسمة، وتراودني كثير من أسئلة كنت ناقشتها مع صديق فرنسي، فهذا زمن الأسئلة وليس الاجابات: هل نحن من نؤمن بالعلمانية كحل للدول العربية كنا سبباً في غير الحسم هذا؟ هل انشغلنا بمقاتلة الآخر الإسلامي لدرجة أننا نجحنا في الترويج له ونسينا أن نبني وننظم أنفسنا؟ هل يجب أن نسلم بأننا نحن النخبة وهم الأغلبية؟ هل سيتسلم الراية أعداء الفن والأدب والجمال ويجب أن نرضى بسبب حكم الديمقراطية، وفي الوقت نفسه علينا أن نحتفظ بحسن النوايا؟ هل سنندمج أم ننعزل؟…

أسئلة تضج برأسي وصوت آذان أسمعه في كل لحظة وأنا أجلس أمام النافذة، ولكني أتذكر فجأة أني في بروكسل، فقد تماهت علي المدن واختلطت أصواتها في ذاكرتي، لأنني قبل بروكسل عرجت على اسطنبول وهناك تعودت أن أستيقظ على جمال صوت الآذان، وأذكر أني في تدوينة سابقة عن مدينة أنطاليا بتركيا قلت أن المكان الوحيد الذي يليق بالآذان هو في هذه الدولة بكل بما فيها من حياة وحضارة وحرية.

صفعتني تلك المدينة بروعة الشرق والغرب الرابض في كل زاوية منها، وجمال مضيق البسفور والجسور المعلقة والمساجد الكبيرة بعتقها وخشوع أرواحها: مسجد آيا صوفيا الذي كان كنيسة، والمسجد الأزرق الذي يحتوي أجمل لوحات الفسيفساء بالعالم، ومسجد السليمانية الذي يفترش شاطئ البحر.

أحيانا يزورك احساس أن جميع المدن متشابهة بضفافها وحرياتها وشوارعها، خاصة اذا كنت لا تخرج من قاعات المؤتمرات والاجتماعات إلا نادرا، أو يكون هذا الاحساس نابع من داخلك بسبب افتقاد مدينة أخرى بعيدة عنك، وقد شعرت هذا في اسطنبول بسبب كثافة فعاليات مؤتمر شبكة “نهضة نت وورك” التي بدا جليا قربها من حزب العدالة والتنمية الحاكم، ومدى الطموح لاحتضان مرحلة الربيع العربي على مستوى الدولة لأسباب لا اعتقد بنقائها، إلا أن اليوم الاخير في اسطنبول كان حرا دون التزامات أدبية، وتنقلت خلاله من مسجد إلى مسجد، ومن مذاق إلى مذاق ومن شارع إلى شارع ومن ضفة إلى أخرى، ما جعلني أدرك أنها لا تشبه مدينة في العالم ولا توجد مدينة تشبهها وأنه ربما لذلك تشعر حكومتها بحقها في المنطقة، فكما يقول أحد الفلاسفة : “إن أردت أن ترتقي فاقترب من الآخر”!!..

بلجيكا وفرنسا والقاهرة وتركيا….مللت من السفر والمطارات الكبيرة، وابتسامة المضيفات البلاستيكية، والتجارب الجديدة، وتوضيب الحقائب والوحدة، وتذاكر الطيران الالكترونية..فأرجِعيني إليك يا غزة، ولا تكوني مثل هذا الصباح البلجيكي العاجز..

قررت..نعم لقد قررت: أن أغلق النافذة..فوقفت أمامها.. تمعنت بالسماء وعرفت أن نور الصباح أعطاني ظهره، وعادأدراجه..وأغلقتها..
أسماء الغول
بروكسل
23-11-2011

لماذا يا سيدي ثوراتنا تنتهي بخوازيق؟

نوفمبر 3, 2011

 إلى أستاذي عبد الكريم الخيواني

لماذا يا سيدي ذهبتَ وتركت زهرة وحيدة على طاولتي ..؟

لماذا يا سيدي رحلت دون أن تجيب  أسئلتي؟

لماذا يا سيدي ثوراتنا تنتهي بخوازيق؟

 لماذا يا سيدي نحن نظل فقراء وأولئك أصحاب المواهب الضئيلة يكنزون الوظائف والرواتب؟

 لماذا يا سيدي مُدننا تلفظنا خارجها ومدن الآخرين تحضنّا إلى داخلها..؟

لماذا يا سيدي صوت هديل الحمام في بيت جدي بالمخيم أجمل من صوته في إيطاليا وفرنسا ومصر وبلجيكا؟

 لماذا يا سيدي يتم تحويل الثوار إلى مستشفى الأمراض العقلية والثورات لا يبقى منها سوى أوراق مدرسية؟

لماذا يا سيدي للمدن التي نحبها رائحة الحبيب وللمدن التي نكرهها رائحته أيضاً؟

لماذا يا سيدي نختنق ونحن نياماً في غربتنا على أسرة غريبة في حجرات غريبة ونصحو فزعين نبحث عن صورة تواسي موتنا الأخير؟

لماذا يا سيدي قالوا أننا شجعان وأبطال وقادة ودخلنا المعتقلات ثم حكمونا بالعسكر وحَضّرُوا لنا الاسلاميين؟

 لماذا يا سيدي الثورات الكبرى تنتهي عند الانتقام وآبار النفط وغرف النوم ؟

لماذا يا سيدي تَحَول بعض الثوار إلى آكلي لحوم البشر؟

لماذا يا سيدي الثورات واقع حد الحلم وحلم لا يصل إلى الواقع؟

لماذا يا سيدي ينظر الحبيب إلى حبيبته غاضباً ساخطاً كأنه في ميدان معركة؟

 لماذا يا سيدي في أوطاننا المسدس بريء والحب متهم حتى تثبت براءته؟

لماذا يا سيدي تركت وردة ورحلت وقلت لي: إنه زمن الاحباط..؟

 لماذا يا سيدي نبحث عن الثوار الحقيقين بعد انتهاء الثورات ونجدهم في السجون العسكرية وسجون الاستئناف والسجون الادارية والسجون الجنائية ولا يبقى حولنا سوى المنافقين والبلطجية؟

 لماذا يا سيدي هتفنا الشعب يريد اسقاط النظام وانتشينا بالنصر ثم اكتشفنا أن النظام أسقط الشعب؟

 لماذا يا سيدي يتركون المرأة تسبق الرجال في الميدان ويقولون أنها صاحبة الثورات وحين ينجحون يُرْجعُونها إلى القفص ثانية؟

لماذا يا سيدي البيوت تشبه بيوتاً أخرى والصور فيها صور أخرى والعيون فيها عيون أخرى والقلوب فيها قلوب أخرى والأرواح نزقة لا تجد متسع لها؟

لماذا يا سيدي الرؤساء العرب يقولون في الكلمة الأولى أن الثورات مؤامرة، وفي الثانية أنها ديمقراطية، وفي الثالثة أنهم سيصلحون، وفي الرابعة سيرحلون، وفي الخامسة سيسلمون الحكم للنواب، وحين يصلون السادسة يكون الشعب صار جثثاً مذبوحة خلف منصة خطابهم؟

 هل عرفت الآن يا سيدي لماذا انطفأ البهاء في عينيّ…؟

القاهرة-أسماء الغول

3-11-2011